حنان كامل الشيخ

من هو الخاسر؟

تم نشره في الثلاثاء 7 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

من غير المفهوم عدم انحياز الإعلام المستقل لقضايا الشعب، مهما كانت عناوينها. من غير المقبول أن لا يكتفي هذا الإعلام الذي يدعي استقلاليته التامة عن السلطة، بعدم الانحياز وحسب، بل يتعداه في مهاجمة ومقاومة مطالب شعبية عبر منابر مفتوحة، مدعومة ماليا ولوجستيا لتحتل المراتب الأولى في استطلاعات “ابسوس”!
السؤال كيف تتحول أصوات معارضة مستقلة حرة، إلى أبواق تلعن المعارضة المستقلة الحرة؟! وهذا الأمر لا ينحصر في حدودنا الجغرافية فقط، بل من يزور دولا عربية مجاورة وغير مجاورة، سيذهل من انتشار حالة تبدل نبرة الأصوات من النقيض إلى النقيض!
ممكن أن تمر فكرة اسقطاب الذمم الإعلامية لتتخلى عن دورها كصوت الشعب المسحوق، إنما أن لا يتجاوز ذلك خسارة لاعب أساسي في مباراة الشعب والسلطة. لكن أن تمحى من ذاكرة الإعلام تماما أرشيف ذلك الصوت، ليستبدل بصوت أجش أكثر وزعيق أعلى أكثر، يسيء للطبقة التي كانت تعده ممثلا لها، ليحكي ويطالب ويترافع ويبكي إن تطلب الأمر، وحصل ذلك فعلا مع كثير من الإعلاميين الشرفاء، فهذا ما لا يمكن أن يتسامح معه الناس.
في دول متقدمة قليلا عنا، يمكن أن تتبدل مواقع الإعلاميين الشعبويين، أو الذين يمثلون صوت الشعوب ومطالبهم العادلة، ولكن يكون التبديل في الإطار المعارض المستقل الحر نفسه، بحيث يتحرك عبر قنوات مفتوحة وواسعة إنما تبقى شعبية وخالصة للعدالة والحريات.
العجيب فعلا أن إعلاميينا تحديدا؛ صحفيين وكتابا ومقدمي برامج، هم في غالبيتهم من فئة الشعب الذي ذاق الأمرين خلال مسيرة حياته المهنية أو الاجتماعية. وكلهم يحتفظون بصورهم وتسجيلاتهم القديمة ومقالاتهم ومواضيعهم الصحفية، التي كانت تعبر آنذاك عن أحوالهم المعيشية، غير المنسلخة عن أحوال عموم الناس في تلك الفترة. والدليل على ما أقول إن غالبية إعلاميينا الكبار اليوم، هم خريجو مدارس وجامعات وكليات كانت الطبقات الميسورة تنأى بأبنائها أن يقتربوا منها. ولذلك فمن النادر أن تجد خريجا من جامعة اليرموك مثلا في فترة الثمانينيات أو التسعينيات من القرن الفائت، لا يحتفظ في ذاكرته بقصص كانت عصيبة أيامها، وصارت مضحكة مع مرور الوقت!
طبعا ينسحب الأمر على خريجي الكليات والجامعات الأخرى، ولكن ولأن الموضوع يخص الإعلام فمن الجيد أن نتذكر بأن أوائل إنتاجات الصحافة والإعلام، بالنسبة لهؤلاء هي في غالبيتها إن لم تكن مجملها قضايا قريبة جدا من عصب الشارع، ومطالباته السياسية والاجتماعية. وكم كانت التحقيقات الصحفية والمقابلات والصور الخاصة بتلك العناوين سهلة وسريعة التحضير، لما كانت توفره مجتمعات الصحفيين وقتها؛ الأسرية والمهنية والحزبية، من بيئات خصبة ومواد جاهزة وصور حاضرة، ليس على الصحفي إلا أن يعلن عنها بصوته أو صورته أو قلمه.
وهنا العجب! كيف ينسى الإعلامي القادم من وسط الناس وحضن المجتمع البسيط الطيب، طعم لغته وصلابة مبادئه وبحة صوته حين كان ناقلا عن الشعب، ومرسالا لمطالباتهم العادية البسيطة؟ ثم لا يكتفي بالنسيان ومحو ماضيه، بل يبدأ بمعاداة بيته الأول و أهل بيته الأول بنفس الروح والأداء والأدوات؟
في دول شقيقة، استطاع نفوذ رجال الأعمال أن يقلب وجه بعض الإعلاميين بسلطة المال، لكن مع ذلك احتفظ هؤلاء بخط رجعة خافت مع الجمهور، واستطاعوا أن يتسللوا لوجدانهم مرة أخرى، بدهاء. لذلك نراهم يفقدون جمهورا مقابل آخر يكتسبونه فلا يختل ميزانهم، وأيضا يكون ذلك بخطاب دعائي ترعاه شركات تجارية كبرى، تتحكم أيضا في سياسة واقتصاد تلك البلاد، ويتبع ذلك تسويات يستفيد منها جزء لا بأس به من الشعب. ولكن عندنا، من الرابح في هذه التغييرات في الخطاب الإعلامي، إن كان جل توجهها هو لوم الشعب ومهاجمته، ومن هو الخاسر؟

التعليق