بين التاريخ والتراث فرق كبير

تم نشره في الثلاثاء 7 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

حسني عايش

يقول شيشرون (106 – 43 ق.م)، الخطيب الروماني المفوّه والفيلسوف: "أن تبقى جاهلاً بما حدث قبل ولادتك (أي بالتاريخ) يعني أن تبقى طفلاً في باقي الأيام بعدها".
يرى أستاذ الفلسفة في جامعة لندن اي. سي. جريلنج أن التاريخ مصطلح غامض، فهو يعني مرة الأحداث التي وقعت في الماضي، وأخرى تسجيلها (التأريخ) وثالثة الكتابة عنها، ثم يتساءل قائلاً: "ماذا لو كان التاريخ مجرد فبركة المؤرخين؟"، إن الماضي انتهى وغير موجود وأن الحاضر عبارة عن وثائق وأشياء نفترض أنها بقاياه، نفسره بها. إذا كان التاريخ روايات مختلفة تصنع في الوقت الحاضر، فهل نستغرب الاختلاف بين المؤرخين في فهمهم أو تفسيرهم للحدث أو للوثائق، والأشياء الباقية الواحدة؟
يدعو الفلاسفة الواقعيون في التاريخ وعلى رأسهم الفيلسوف ليوبولد فون برينك (1795 – 1886) مؤسس المدرسة الواقعية الحديثة، المؤرخين إلى تسجيل الأحداث كما وقعت بالضبط، لكن المدرسة المثالية في التاريخ التي يمثلها الفيلسوف الألماني ديلثي ولهلم (1833–1911) والناقد الأدبي والمؤرخ الايطالي بني ديتو كروس (1866-1925) المتأثرين بالفيلسوفين الألمانيين كانط (1724- 1804) وهيجيل (1770 - 1831) يفرقان بين العلوم الطبيعية التي تدرس الظاهرة من الخارج، والعلوم الاجتماعية بما في ذلك التاريخ، التي تدرسها من خلال تجربة المؤرخ الذاتية. وحسب هذه النظرة يصبح التاريخ ذاتياً وليس موضوعياً، لأن المؤرخ نفسه يظل حاضراً وهو يكتب التاريخ.
إن التاريخ في نظر الكاتب الأفريقي الأميركي جيمس بلدوين (1924 – 1987) "مصيدة للناس والناس مصيدة للتاريخ".
إن كتابة التاريخ عمل شاق ومضن بالغوص في المصادر الأولية، وإن جزءاً كبيراً من عمل المؤرخ هو تفسيرها، أي إعطاء صوت أو حياة للشهود الصامتين الذين بين يديه، وإلا بقيت الوثائق والبقايا التاريخية لا معنى لها. ولعله من هنا ولهذا تنشأ الخلافات بين المؤرخين. ومن ذلك اختلاف مؤرخي حرب حزيران (يونيو) 1967، الإسرائيلية العربية حسب  كل دولة شاركت فيها، وغيرهم من المؤرخين لها في البلدان الأخرى.
ويلخص جريلبنج الصورة فيقول: "التاريخ ليس قائمة من الأخبار أو الأحداث، وإنما القصة أو القصص الكثيرة أو الخلافية التي نستخرجها منها، او من حَدثٍ واحد، وإن على المؤرخ أن يخرج أحياناً من منجم الفحم ليتأمل المصادر الأولية عن بعد ليرى الصورة الكبرى ويكتب عنها وليصدر أحكاماً سليمة عنها. والمسألة ليست السؤال عن أي قصة تُفسّر البيانات والمعلومات التاريخية بالصورة الفضلى لها، بل ماذا تعني القصة نفسها، لأن المطلوب هو فهم روح العصر والدخول في عقله وقلبه، واكتساب شعور نحو الكيفية التي عاشها الناس فيه، واستجابتهم لعالمهم، وكيف استطاعوا أيضاً التعامل مع مشكلاته المحيرّة.
في مقال سابق (21/9/2015) قدمت للقارئ عشر نظريات لتفسير التاريخ، يمكن الرجوع إليها لاستكمال هذه المقالة.
أما التراث الذي انغمس الناس فيه –وليس في التاريخ- في العقود الأخيرة، فليس تاريخاً وإن صار يعتبر إهماله إثماً كبيراً، وواجباً وطنياً باستحضاره كما يقول ديفيد لوينثال في كتابه (Heritage Crusade and the Spoils of History, 1998) ثم يتساءل: لماذا ينغمس الناس في العالم في إحياء التراث في الوقت الذي ينشغل فيه عالمهم بالصراع، والعداوات وفقدان الثقة بالتقدم؟.
ويجيب: لأن الناس يجدون في التراث أو الماضي العزاء بصلتهم بالأجداد، والاتحاد مع الناس الذين يشاركونهم التراث وبالتالي إحساسهم بالانتماء. ومع أن هذه الجوانب ايجابية إلا أن التراث يمكن أن يكون جائراً، أو انخذالياً، أو مخطئاً، ومقيداً للناس باتجاهات عفا عليها الزمن، ومروجاً للقوموية وكراهية الغرباء. وليقوم بذلك بلوي عنق التاريخ، ويحوله إلى خرافة أو أسطورة. وللأسف وسوء الخلف لم يشر ديفيد لنثال إلى اغتصاب اليهود في فلسطين للتراث الفلسطيني ليوحوا للعالم أنه في الأصل تراث يهودي، مع أنهم يغتصبونه أمام العيون لدرجة وضع صور في الكتاب المقدس لفلاحات وفلاحين فلسطينيين بأزيائهم الريفية التقليدية والادعاء أنهم بقايا بني إسرائيل القديمة.
وبينما يسعى التاريخ الى استجلاء الحقيقة أو –على الأقل– إلى الدقة كما يقول لنثال، يصبح التراث مسألة إيمان بفأسه التي تضرب وتسحق مما يوجب التفريق بين التاريخ والتراث، فالاستقصاء التاريخي مفتوح وشامل وتعاوني، هدفه معرفة الحقيقة أو الأقرب إلى الدليل. مفتوح بمعنى أنه قابل للفحص، وشامل بمعنى انتمائه إلى ترتيب زمني، وتعاوني بتجميعه لنتائج البحوث عبر عدة استقصاءات.
أما التراث فلا يتسم بهذا أو ذاك. إنه بدلاً من ذلك إعلان إيمان يسمح بالاستخدام الحر للمادة التاريخية بالحذف أو بالإضافة واللّي والمبالغة واختراعها وزركشتها عند الضرورة لإنتاج قصة تلبي حاجات معينة مثل الإحساس بجذور الهوية، حتى وإن كان أصحاب تلك الجذور لا يمتون بصلة تاريخية للناس اليوم، وكذلك اختلاق قصص وخرافات وأساطير لا أساس لها.
والتراث بخلاف التاريخ ليس مفتوحاً لتحدي النقد لأنه يأخذ صفة المقدّس. إن الانحياز يقع في صلب الكبرياء المتعصبة له، بل الهدف نفسه.
إن الفرق الرئيس بين التاريخ والتراث هو في الموقف أو الاتجاه، إذ بينما يعتبر المؤرخون الانحياز خطيئة يكافحون للتخلص منها، يُعلي التراثيون من قيمة الانحياز بل إنهم يقننونه ويُروجون له. وكلما ضعف الدليل عندهم اتسع خيالهم بحماية جهلهم. إن كل مظاهر التراث أشبه بصرخة بعيدة جداً عن التاريخ في خدمة (التراث) باتجاه مختلف ولغايات مختلفة.
إنها لقضية مهمة إذن أن تكون دراسة التاريخ جافة وبعيدة عن معظم الناس، بينما التراث فوري وشخصي وشعبي عند أهله، وإنه لمؤذٍ جداً عندما يتم خلطه بالتاريخ. إن جزءاً كبيراً من نجاح التراث تجاري يتم باستغلال التغييرات التاريخية التي تضاف إليه لجعل الناس يشعرون بالرضا عن أنفسهم، وتعزيز اعتقاد زائف ولكنه مريح لهم.
يمكن تحدي التراث بالتاريخ (لا يمكن العكس) وبأفضل طرق الاستقصاء الأخلاقية، وإلا طردت العملة الخبيثة العملة الجيدة. وللأسف إن كثيراً من الكتابات التاريخية أقرب إلى التراث منها إلى التاريخ بمعناه المثالي، لأن هدفها الرئيس لم يكن الحقيقة الموضوعية بل اختلاق هوية قوموية وأساطير. وهو ما تقوم المدرسة -للأسف- بتعليمه للصغار على حساب الحقيقة.

التعليق