رنا الصبّاغ

استشهاد الناهض حتر.. القضاء ينتصر للفكر الحر

تم نشره في الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

بتثبيته، قبل أسبوع، حكم الإعدام بحق قاتل الشهيد ناهض حتر، سجّل القضاء الأردني سابقة حضارية، وقطع الطريق على من يحاولون تقزيم زلزلة تصفية صاحب الموقف والقلم إلى مجرد قضية جنايات كبرى بين أضداد.
نرفع القبّعة للقضاء الأردني، ولا سيما قضاة محكمة التمييز –أرفع هيئة قضائية في الأردن– لأنهم لم يكتفوا برد الطعن بعدم اختصاص محكمة أمن الدولة، بل هم سطّروا أيضا أركاناً تنويرية لحماية نسيج المجتمع وصون السلم الأهلي؛ ورفضوا مساواة مجرم متطرف تعرض لغسل دماغ بكاتب سياسي احتكم دائما إلى الحجّة والمنطق في طرح أفكاره.
لذا، يجب أن نتوقف مطولا عند فحوى قرار التمييز، بما يشكّله من "مانفستو" يرسّخ مداميك الدولة المدنية التي نستحق، ويعلي شأن الدستور، في مواجهة انتشار الهويات الفرعية والتصدّعات في نسيج الوطن.
قرار المحكمة رسّخ حزمة مبادئ؛ في مقدمتها نبذ مفاعيل التطرف وإقصاء الآخر، باعتبار أن الدافع وراء ارتكاب أي جريمة لا يمكن أن يتحول إلى مبرر أو سبب للإعفاء من العقوبة، وفق تحليل أحد محامي حتّر؛ عاكف الداوود.
كما رأى القضاة الأفاضل أن المبررات التي ساقها المميز (القاتل) "لا تتفق مع مبادئ وقيم دولة القانون وسيادته، لأنَ القول بغير ذلك يعني سيادة منطق الإرهاب والعنف كون العقوبات شُرّعت للزجر والتأديب". وخلص القضاة إلى التأكيد أن ذلك "لا يتحقق إلا بواسطة الحاكم، حيث يَغلب سلطان الدولة بعكس انتقام الناس لأنفسهم".
رسّخ قضاة التمييز دور القضاء المستقل بصفته أهم أدوات الضبط والتوازن للجم تعسف السلطة التنفيذية وتقهقر السلطة التشريعية. انظروا كيف علّق قاض فدرالي قرار رئيس أميركي بحظر دخول مواطني سبع دول شرق أوسطية إلىى الولايات المتحدة، فأعلن أن المحكمة "توصلت إلى أن الظروف المطروحة أمامها اليوم تتطلب تدخل المحكمة لإحقاق دورها الدستوري".
وفي عمّان، عزّز قرار التمييز مبدأ فصل التدين الانفعالي عن الدولة، وترسيخ مرجعية القضاء في حالات الاختلاف وليس شريعة الغاب؛ "ولا يُغيّر من الأمر شيء إذا بررَ الفاعلُ أفعالهُ بأنها دفاعاً عن الأديان، كون الدين لله تعالى والأوطان للجميع حكاماً ومحكومين، أياً كانت آراؤهم أو معتقداتهم أو أديانهم". إلى ذلك، أكدت المحكمة أنه "لا يجوز كذلك أن يُنصّب الفرد نفسه قاضياً ضد من اختلف معه في الرأي أو المعتقد أو الفكر". فوحده "القضاء هو المرجع والفيصل، وعلى حد سواء للشاكي والمشتكى عليه. وهذا الحقُ كفله الدستور الأردني للكافة في مادته (101)، الأمر الذي يَتَعيَنُ معه ردّ هذا السبب".
هذا المبدأ يذكّرنا بتراخي السلطة التنفيذية ووقوفها أقرب إلى موقف المتفرج حيال سموم التحريض التي انتشرت أثناء وقوف الشهيد أمام القضاء المدني. إذ ابتكر محرضون -ومنهم رجال قانون ودين- عقوبات لإنزالها بالكاتب "لم ترد في قانون العقوبات وبعضها لم يخطر ببال أعتى الجناة والمجرمين". وبينما أخفقت الحكومة في الوفاء بتعهداتها بمعاقبة المحرضين ومحاسبة المقصرين في حماية حياة حتّر قبل اغتياله، صبّ قرار التمييز في إعادة الاعتبار لفكر الشهيد الذي كان ينادي بترسيخ مبادئ الدولة المدنية. وتزامن أيضا مع آخر حلقات تكريم فكره عربيا ودوليا، إذ استضافت القاهرة حفل استذكار لمساهمات حتّر الفكرية والسياسية، أطلق خلاله آخر كتبه "ربيع زائف". وقبل القاهرة، احتفت بيروت، ونواكشوط، ودمشق، وبراغ، والجالية العربية في أميركا بإرث الراحل الذي اقترب من 25 مؤلفا وآلاف المقالات والمقابلات المتلفزة. وقرّر مؤيدوه إعادة نشر العديد من كتبه في القاهرة ودمشق.
المبدأ الثاني الذي رسّخه تمييز حكم محكمة أمن الدولة –المختصة بقضايا الإرهاب- يكمن في أن الطريقة "الوحيدة المتاحة قانونياً للحوار أو الاختلاف بين أبناء الشعب، هي الحوار المعمق والشجاع". وبالتالي، فإن "الأفعال الجُرمية لا مكان لها في وطننا -مهما كان نوعها- ويرفضها قضاؤنا ويترفع عن سماع مثل هذا الادعاء أو الدفاع" عن المدان (في قضية حتر) أو غيره.
ولجم  قرار محكمة التمييز عشرات الدعوات التي خلطت أثناء سير قضية الشهيد ناهض حتر، بين القانون وبين أحكام مصدرها الأديان (مسيحية وإسلامية)، بحيث تم إهمال نصوص القوانين والدعوة إلى تطبيق أحكام دينية. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتد إلى ابتكار وسائل لتنفيذ العقوبة لم ترد في القوانين، كما لم ترد أيضاً في الأديان.
المحامي عاكف الداوود يؤشر إلى سلسلة إخفاقات وتجاوزات رسمية أفضت إلى وقوع الجريمة في وضح النهار على أدراج قصر العدل. وهو يرى أن المبادئ التي رسّخها قرار التمييز، يمكن الاستناد إليها في محاكمة من حرّضوا ضد الكاتب الراحل، سواء داخل الحكومة أو خارجها.
ويستذكر قرار محافظ العاصمة بالقبض على حتر بإيعاز من رئيس الوزراء هاني الملقي، في تجاوز لاختصاص النيابة العامة وخرق للمادة الثانية من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، والتي نصها: "تختَصُ النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون". كما ينتقد قرار وزارة الداخلية بتصنيف الكاتب "فاراً من وجه العدالة"، في تعد على اختصاص النيابة العامة خلافاً للمادة 243 من قانون أصول المحاكمات.
وعليه، يطرح محامي الشهيد مجموعة أسئلة: لماذا لم توقف الحكومة العشرات ممن هدّدوا بسفك دم الشهيد علناً بنوايا سيئة، بينما سارعت إلى معاقبته على مشاركته لكاريكاتير ثم أقدم على إزالته مع توضيح واعتذار؟
هل مشاركة الكاريكاتير لدقائق من دون سوء نية جريمة، فيما التهديد بالقتل ليس بجريمة؟ لماذا لم توفّر الحماية الأمنية للشهيد رغم أن عائلته سلّمت السلطات ملفا مفصلا بأسماء من هددوا وحرضوا على القتل؟
من اتخذ قرار تعيين القاتل المتشدد العائد من القتال في العراق بوظيفة إمام مسجد في وزارة الأوقاف؟ ثم بعد فصله لتطاوله على "مقامات عليا"، يعين بوظيفة مهندس في وزارة التربية والتعليم، يقبض راتبه من ضرائب الشعب الأردني؟ وكم عدد الحالات المشابهة لهؤلاء المتطرفين في أجهزة الدولة ووزاراتها؟
هذه الأسئلة وغيرها ستظل في بال الأردنيين لأشهر وسنوات بعد هدر دم الشهيد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب (حقيقة)

    الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017.
    هذا الحكم هو حكم الشرع بمن يقتل نفسا بريئة بدم بارد دون مراعاة لحرمتها وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون
  • »مع ام ضد؟ (خالد نجم)

    الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017.
    هل اصبحت الكاتبة الان مع اعادة عقوبة الاعدام؟؟ الم تكن ضد العقوبة من قبل؟!
  • »شكرا (اسعد)

    الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017.
    الشكر للغد ولكتاب الغد , ان طريق التقدم لم يكن بالعاده مفروشا بالورود .
  • »مهما كان السبب فجريمة قتل إنسان غير مبررة ولا يحق لأحد أن يلغي القضاء والدولة (تيسير خرما)

    الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017.
    مهما كان السبب فجريمة قتل إنسان لا تبرر ولا يحق لأحد إلغاء القضاء والدولة، فقد نشأ الإسلام ببيئة مكتظة بوثنيين ومشركين ثم منافقين بجانب أهل كتاب سماوي من يهود ونصارى ولم يأمر سيدنا محمد (ص) بقتل أحد منهم، بل اعتبر كل منهم مشروع مسلم فطلب حرية تعبير وإقناع بأدلة وبراهين عبر 13 عاماً قبل إنشائه أول دولة إسلامية مدنية ثم استمر بذلك 10 سنوات بعد قيامها بنص القرآن وصحيح السنة بتعامله خارج الحرب بل كان منهج حربه دفاعي تطوعي فكانت أساس قوة وانتشار الإسلام وقهره مناهج تنافي العقل والفطرة ومكارم الأخلاق
  • »سلم فمكي (نايف النوايسه)

    الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017.
    لقد قلتي ما يجب ان يقال وافصحتي عن ما يجول في النفوس و الخواطر .