سائد كراجة

القضاء الأردني يؤصل للدولة المدنية

تم نشره في الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017. 12:02 صباحاً

ليقف الجميع، ولينصت المجد؛ هذا صوت الشموخ، صوت قضاة الأردن؛ صوت العدل والإنسان والحضارة، يصدع لضمير الشعب، ويرسّخ باعتباره "عنوانا للحقيقة" مبادئ الدولة المدنية. نعم، أصدرت محكمة التمييز في قضية اغتيال الشهيد ناهض حتر، قرارا تاريخيا، تجاوز إيقاع القصاص بالقاتل، ليؤصل لهوية الأردن والأردنيين الحضارية، وليؤكد حقوق الأردنيين كما نص عليها الدستور.
نعم، لقد شمخ القضاء فقرر: "إسكات الرأي والرأي الآخر يؤدي إلى سيادة منطق شريعة الغاب". شمخ القرار فقرر: "ولا يغير من الأمر شيئاً، إذا برر الفاعل أفعاله بأنها دفاع عن الأديان، كون الدين لله تعالى والأوطان (دول القانون والمؤسسات) للجميع حكاماً ومحكومين، أياً كانت آراؤهم أو معتقداتهم أو أديانهم. ولا يجوز كذلك أن ينصّب الفرد نفسه قاضياً ضد من اختلف معه في الرأي أو المعتقد أو الفكر، فالقضاء وحده هو المرجع والفيصل على حد سواء للشاكي أو المشتكى عليه، وهو حق كفله الدستور الأردني للكافة في مادته 101".
وشمخ القضاء فقرر: "إن الدوافع والمبررات التي ساقها المميز لا تتفق مع ما أوردناه آنفاً، ولا تتفق مع مبادئ وقيم دولة القانون وسيادته، لأن القول بغير ذلك يعني سيادة منطق الإرهاب والعنف، كون العقوبات شرعت للزجر والتأديب وهذا لا يتحقق إلا بواسطة الحاكم حيث يغلب سلطان الدولة؛ بعكس انتقام الناس لأنفسهم".
ثم شمخ القضاء فقرر: "وإن محكمتنا ترى أن الحوار العميق والشجاع هو الوسيلة الوحيدة للتعامل بين أبناء شعبنا، وإن الأفعال الجرمية مهما كان نوعها فإنه لا مكان لها في وطننا، ويرفضها قضاؤنا، ويترفع عن سماع مثل هذا الادعاء أو الدفاع عن المتهم أو غيره".
وشمخ القضاء فقرر: "ويتوفر العلم القضائي لدى محكمتنا أن ما أقدم عليه المميز إنما يشكل سابقة لا مثيل لها في وطننا، كون العنف والإرهاب لصاحب فكر حر، هو أمر غير مقبول".
وأيضا شمخ القضاء فقرر: "وإن احترام الرأي والرأي الآخر هو سمة التعامل في مجتمعنا، والذي يعتبر أساساً للدولة المدنية التي يسود فيها القانون، وتتمتع في علاقاتها بالشرعية والمشروعية من حيث رضا الناس واحترام الرأي الآخر".
هناك محطات تضع فيها الشعوب علامات فارقة على طريق الحضارة والتمدن، ومن حيث أخفق المثقفون في الأردن والعالم العربي -رغم اغتيال فرج فوده، وطعن نجيب محفوظ، وتهديد سيد القمني، واغتيال ناهض حتر، وقبلهم قافله طويلة من المفكرين والمثقفين- أقول من حيث أخفق المثقفون -ولا نغفل دور الأنظمة الرجعية- في تأسيس تحرك مدني سياسي يخلق حالة وعي جماهيري ضد قوى الظلام أعداء الدين والدنيا وحرية الرأي وكرامة المواطن، جاء القضاء الاردني ليضع حجر الأساس في التأصيل القانوني الحضاري للدولة المدنية وسيادة القانون. كما صدع القرار بقاعدة حضارية مفادها: إن الحوار العميق الشجاع هو وسيلتنا للتعايش السلمي في المجتمع، وذلك في رحاب حرية الرأي وسيادة القانون، وإلا سادت شريعة الغاب التي نراها عياناً من حولنا.
السادة القضاة -ولا أكرم من لقب القاضي- الذين أصدروا هذا الحكم بصيغته الابتدائية والنهائية، عليكم سلام. ولعل روحي موسى الساكت وعلي مسمار تهديانكما السلام أيضاً. وإنه أردنٌ مدنيٌ حضاريٌ حتى النصر.

التعليق