إبراهيم غرايبة

الإنسان كائن متمرد!

تم نشره في الخميس 9 شباط / فبراير 2017. 01:07 صباحاً

حمدا لله على سلامة النشطاء الذين كانوا موقوفين وتم الإفراج عنهم. ونأمل ونتطلع إلى ألّا يحتجز مواطن بسبب موقفه السياسي أو رأيه حتى لساعات قليلة. فالسجن، مهما كانت فترة التوقيف أو الاعتقال، تجربة عميقة، ويجب أن يعالج الإنسان نفسه منها بنسيانها، ثم يمضي في حياته وخياراته كأنه لم يوقَف أو يُعتقل. والسلوك في أي اتجاه تحت التأثير المباشر لتجربة السجن، يشبه سلوك الإنسان تحت تأثير ارتفاع الحرارة.
إذا وجد الشخص نفسه بعد التوقيف أو الاعتقال أنه يمضي في حماسة أكثر من السابق، معتقدا أن السجن لم يغيره، فهو يؤكد أنه تغير. وهذا التغير ليس بالضرورة إيجابيا، فقد يكون ذلك كسرا للإرادة حتى لو بدا أنه مزيد من التمرد. وبالطبع، فإن الانسحاب أو التحول باتجاه معاكس هو أيضا كسر للإرادة.
كيف نحرر أنفسنا من الكراهية مهما كانت التجربة التي تعرضنا لها؟ كيف نحرر أنفسنا من الاستدراج والاستفزاز؟
التمرد سلوك إنساني أصيل؛ فما من تعليم أو تغيير بغير التمرد. وليس المطلوب إلغاء هذا المحرك الأساسي للارتقاء بالذات وتحسين الحياة. لكن السؤال هو: كيف يمكن تنظيمه في اتجاه سليم يحمي الإنسان به نفسه من الخواء؟ والغضب أيضا، بما هو أحد تجليات التمرد، سلوك أساسي أيضا؛ فلا يتعلم الإنسان بغير الغضب والتمرد، لأنه يستطيع بهما إدراك ما يجب وما لا يحب أن يكون عليه وما يجب تغييره وإصلاحه.
العبرة الأساسية تظل في القدرة على تنظيم وتشكيل الأفكار والمشاعر والمعتقدات في موازنة سليمة بين الممكن والواجب. وأولى قواعد هذه الموازنة أن يظل المواطن قادرا على العمل والتأثير وعلى حماية نفسه.
في الفكر السياسي الغربي يسمون العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي "لعبة"، لكنها كلمة لا تُفهم في الثقافة العربية على نحو إيجابي أو متقبل؛ فلنقل إنها مباراة. إذ في المباراة يجري صراع منظم يحتاج فيه أطراف اللعبة جميعا إلى بعضهم بعضا، وإن كان يسعى كل طرف إلى الانتصار. لكن ما من انتصار من غير مباراة، وما من مباراة من غير متنافسين، لذلك فإن أحدا لا يريد إلغاء الآخر لأن بقاءه ومكاسبه تعتمد على وجود الآخر مثل وجود الذات. لكننا نسعى دائما في جعل اللعبة تعمل لصالحنا؛ بتحسين شروط اللعبة وتوظيف فرصها ومواجهة تحدياتها... ثم نعمل جميعا على احترام قانون وقواعد المنافسة؛ إذ ليس انتصارا ما يمكن أن يكسبه طرف في المباراة من غير التزام مشترك بين اللاعبين والحكم والمنظمين والجمهور بقواعد اللعبة.
تفشل المباراة وتنهار في ثلاث حالات على الأقل؛ إذا لم تطبق قواعدها بكفاءة والتزام؛ وإذا لم يلعب اللاعبون في اتجاه المكاسب، فلا قيمة لمباراة إذا لم تكن متجهة الى الفوز، ولا معنى لضربة جميلة ومتقنة للكرة بعيدا عن الهدف! وثالثاً، إذا لم تكن أطراف المباراة على قدر من الندية تجعلها مباراة حقيقية، فلا معنى لنتائج يحققها لاعب ضد خصم ضعيف أو مكبل ولا يملك حولا ولا طولا في مواجهة الخصم.
يبدو أن مشكلة المباراة السياسية في بلادنا أنها مثل لعبة تجري بعيدا عن قواعدها المنظمة؛ تشبه دبكة في مباراة كرة قدم!

التعليق