محمد أبو رمان

رواية "آلموت".. "نحن الآخرون"!

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2017. 12:10 صباحاً

تتحدث رواية "آلموت"، لمؤلفها السلوفيني فلاديمير بارتول، عن القلعة التي تحمل الاسم نفسه، وتقع في إيران، وسط جبال الديلم جنوب بحر قزوين، على بعد قرابة 100 كيلو متر عن العاصمة طهران. وتعني "آلموت" بالفارسية "عشّ النسر".
وتتناول الرواية قلعة آلموت عبر ما اشتهرت به تاريخياً وثقافياً، بوصفها معقل حسن الصبّاح (1037-1121)، مؤسس ما يسمى "الدعوة الجديدة"، في الطائفة الإسماعيلية، أو ما أصبح يطلق عليها في الأدبيات التاريخية "فرقة الحشاشين".
وبالرغم من أنّ بارتول ألّف هذه الرواية في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي (كما تذكر مترجمتها إلى العربية فاطمة النظامي)، إلا أنّ شهرتها تأخرت كثيراً. وكان قد استغرق في تأليفها خمسة أعوام، في لحظة صعود الفاشية والنازية والأجواء التي سبقت الحرب العالمية الثانية وبروز "الدول الشمولية".
أنهيت الرواية قبل أيام قليلة، وكان ما شدّني فيها أكثر من بُعد. لكن الأهمّ بينها هي القراءة التي قدّم فيها بارتول الحشّاشين وشخصية حسن الصبّاح الذي تلبست صورته في العالم العربي السنّي بالقالب العقائدي والطائفي، وبالـ"بروباغاندا" (الدعاية) المضادة لهذه الدعوة، فكنتُ حريصاً أن أقرأها من الزاويا الأخرى. وقد نجح الروائي في تقديم وجبة تاريخية-فلسفية دسمة في صورة أدبية سلسة وممتعة، لكن مع التأكيد على أنّ هذه القراءة هي رؤيته التي قد تكون دقيقة أو لا تكون للمذهب الإسماعيلي ولمدرسة الحشاشين وللأحداث التاريخية.
البعد الآخر المهم في الرواية، بالنسبة لي، تمثّل بالمقارنة بين "جماعة الحشّاشين الأوائل"، التي تنسب إليها ظاهرة "الانتحاريين" أو الفدائيين الأوائل، ومأسسة فكرة الاغتيالات السياسية في التاريخ الإسلامي، بوصفها جماعة عقائدية مغلقة، تستند إلى قضية الخلافة وتمزج بين العقائدي والسياسي، من جهة، والتيارات الأصولية المعاصرة، وحالياً تنظيم "داعش"، من جهة ثانية، الذي أصبحت العمليات الانتحارية (المفخخات، الأحزمة الناسفة، الاغتيالات...) هي "ماركته المسجّلة"، إذ قفز بها على صعيد التوسّع والانتشار قفزة كبيرة، ويفاخر التنظيم بإنجازه آلاف العمليات الانتحارية حتى الآن!
بالطبع، الظروف التاريخية والثقافية والنفسية قد تختلف بين الزمنين (زمن الحشاشين والدواعش)، والصراع كذلك؛ فهناك كان صراع مع السلاجقة، وهنا صراع مع الأنظمة العربية المعاصرة ومع النفوذ الإيراني والغرب. لكن ثمة نقاط مشتركة كبيرة، من بينها سيكولوجيا الانتحاري (بالمناسبة خصص الباحث الإيراني المعروف فرهارد خسرو خفار، كتاباً كاملاً بعنوان "شهداء الله الجدد: في سوسيولوجيا العمليات الانتحارية"، يرصد فيه تطوّر هذه "الثقافة" تاريخياً ودينياً، بصورة خاصة لدى الشيعة، ثم انتقالها إلى الوسط السني، كما يرى في كتابه).
إحدى المشكلات الكبيرة في ثقافتنا العربية المعاصرة هي محدودية المعرفة الموضوعية المستقلة، والتاريخ المعلّب ضمن روايات مؤدلجة، وجهلنا بذاتنا، التي تتشكّل عبر مجموعة من المذاهب والأفكار والثقافات. فمن ننظر إليه بوصفه آخر (شيعياً أو كردياً أو غير ذلك) هو جزء من ذاتنا التاريخية وديناميكية تطورنا.
لكن انتصار السنيّة السياسية والدينية، إمّا بصيغتها الصوفية-الأشعرية أو السلفية، ارتبط بعملية إلغاء تاريخية تراكمية متواصلة للثقافات والمذاهب والأفكار الأخرى، أو قولبتها بالدعاية الذاتية من دون محاولة اكتشاف بنائها الذاتي والتاريخي.
مع صعود أزمات الهويات والصراعات الطائفية وأزمة الإسلام السُني تحديداً، من المفيد أن نعيد قراءة الذات واكتشافها ونقدها بصورة مغايرة، وربما تكون الروايات وسيلة مساعدة في هذه المهمة الفكرية-المعرفية الراهنة!

التعليق