جميل النمري

الأردن المدني الديمقراطي

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2017. 01:09 صباحاً

من المؤسف أن يتم توقيف نشطاء على خلفية دورهم في حملات المقاطعة، مع أن سلسلة عمليات التوقيف، كما يبدو، تمت على خلفيات متباينة غير ذات صلة ببعضها بسبب التعبير بطريقة رأى أصحاب الشأن، أنها تتجاوز "الخطوط الحمراء". لكن الأمر انتهى على كل حال بالإفراج عن الموقوفين.
نحن مع الحزم الشديد في تطبيق القانون ضد المحرضين على العنف والكراهية والتطرف، ناهيك عن تأييد الإرهاب. لكن إذا عاقبنا المعارضة ذات الصفة المدنية الديمقراطية السلمية، حتى لو تطرفت قليلا في لغتها (وهو الاستثناء النادر)، نكون قد خلطنا الأوراق وخرّبنا على جهود مكافحة القوى الظلامية التي تقود التطرف والعنف والإرهاب.
مقاطعة السلع أو الخدمات احتجاجا على الأسعار هي حق ديمقراطي وسلوك احتجاجي حضاري. وقد يزعج ذلك بعض الجهات في الدولة؛ إذ يبدو لأول وهلة شغبا وتحريضا على التمرد. لكن بالتفكير جيدا في الظاهرة، فإنها تمثل بالضبط الثقافة والممارسة البديلة المنشودتين لإحداث تحول ثقافي سلوكي في المجتمع، ينقلنا من ظاهرة "الشّكْوَنة" السلبية الأنانية، إلى المشاركة الفاعلة والمسؤولة في ما يخص حياة الناس ومستقبلهم؛ وينقلنا من ظواهر العنف والسلوك التخريبي تجاه الممتلكات العامة والمؤسسات كما رأينا ذلك في مواسم احتجاجية سابقة! إلى التصرف الإيجابي الذي يحترم المؤسسات ويتحمل المسؤولية ويرد على السياسات بسياسات مضادة ضمن محددات المؤسسية الديمقراطية. فمثلا، إذا كانت السياسة هي زيادة كلفة الاستهلاك على المواطن، فما الخطأ أن يكون الرد تخفيض الاستهلاك؟ هذا سلوك إيجابي تفاعلي ينطوي على قيمة ثقافية متقدمة هي بالضبط ما نريده في مجتمعنا.
نحن فوق الفشل السياسي في تنظيم المجتمع لنفسه ولعلاقاته الداخلية بطريقة ايجابية متقدمة، نعاني فشلا في السلوك الاستهلاكي، وننساق كالقطيع بصورة محزنة وراء أنماط خاطئة. ولا تكفي ممارسة الوعظ عبر المنابر؛ يجب أن تكون هناك سياسة عامة وخطط موجهة بأهداف. وليس المقصود أن تعود الدولة إلى دور أبوي يقرر للناس كيف وماذا يستهلكون، وإنما توفير القنوات الصحيحة لتمكين الناس من الاستهلاك بالطريقة الصحيحة. وإذا أردنا ان نضرب مثالا فاقعا، فهو استخدام السيارات التي تفيض كثيرا عن استيعاب المدن وعن مستوى الدخول، ويضطر المواطن لشراء سيارات قديمة تحتاج باستمرار لصيانة، فنستهلك الكثير من قطع الغيار والوقت والجهد، وكما هائلا من المحروقات يزيد التلوث في عملية  خاسرة وعبثية. وكل ذلك بسبب الفشل في إنشاء شبكة مواصلات عامة نظيفة وفعالة.
كانت جمعية حماية المستهلك قد خاضت في زمن مضى بعض حملات المقاطعة، مثل مقاطعة القهوة ذات مرة. والآن، يتصدى نشطاء ومنظمات مجتمع مدني للدعوة لهذه الحملات. وقد أعجبني تفاعل الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتشجيع المتبادل للمشاركة؛ إذ عكس تقدما في الوعي والإحساس بعضوية المجتمع والمشاركة الإيجابية والحضارية في القضايا العامّة.
الهدف الذي نسعى إليه في المرحلة المقبلة هو ترسيخ أسس الدولة المدنية الديمقراطية وثقافتها. وليس سرا أن هناك جهودا بدأت بعد الانتخابات لبناء إطار سياسي واسع يمثل هذا الخط، يجمع كل الكوادر والفعاليات التي تؤمن بعمق بهذا الخط قولا وممارسة. وسوف نتحدث عن هذه الجهود في مقالات مقبلة، لكن ما نريد قوله هو أن ظواهر اجتماعية مثل حملات المقاطعة الاستهلاكية لإعادة توجيه القرار الحكومي، تزكّي هذا التوجه وتدلل على تقدم في النضج الاجتماعي لنجاح هذا المشروع.

التعليق