عيسى الشعيبي

لئيمة وذات رائحة كريهة

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2017. 01:05 صباحاً

عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، ويلح الواجب الوطني على من يعنيهم الأمر بضرورة إدانة السياسات الإسرائيلية العنصرية، ولو بكلمة واحدة، وفضح انتهاكاتها الفظة لحقوق الإنسان، وسعارها الاستيطاني، ووصمها بكل المفردات المتداولة، أقول بصراحة تامة؛ ينتابني شعور عميق بعدم جدوى الكتابة، وبعبثية إطلاق العنان لقصف آخر دولة احتلال بمدفعية كلامية لا تخدش جلدها الاستعماري السميك، ولا يقدم دويها أو يؤخر في سياق المواقف المستمدة من روح الغطرسة، وقانون القوة المجردة من كل الاعتبارات الأخلاقية.
فإذا كانت إسرائيل لا تأبه، أساساً، بقرارات مجلس الأمن الدولي قيد أنملة، ولا تلتفت إلى القانون الدولي أبداً، ولا تقيم وزناً للمواقف العربية والإسلامية على هشاشتها المخجلة، بل وحتى لا تراعي خاطر دول الاتحاد الاوروبي –وهي حاضنتها الأولى- على ما في بياناتها من رمادية، فما قيمة مقال غاضب هنا، أو مطالعة سياسية رصينة هناك، تصدر عن كاتب قد لا يصل صوته إلى ما هو أبعد من حدود قرائه الذين يشاركونه الحس الثقيل ذاته، بعدمية الكلام وعدم الجدوى منه، مع دولة مدججة بكل الأسلحة، وتعتبر نفسها فوق القانون؟
مع ذلك، فإن الصمت إزاء ما تواصل إسرائيل القيام به من اعتداءات سادية، وتقارفه من جرائم وحشية، من دون حسيب أو رقيب، يعتبر عيباً لا يليق بضمير إنسان حر السكوت عليه، حتى لا نقول إنه خنوع غير قابل للتبرير. وأحسب أن على كل من يملك قلماً، أو لديه قدرة على الاحتجاج ولو بأضعف الإيمان، أن يوقد شمعة ضئيلة في هذا الليل الموحش، وأن يرفع صوته من دون وجل، حتى وإن كان صوته غير مسموع لدى دوائر صنع القرار، أو كان عيياً، لعل ذلك يسهم في جلاء نبض الشارع أمام أولي العقد والحل، ويظهر لهم مدى التياع الرأي العام.
هكذا، يجد المرء نفسه، والحالة هذه، في موضع لا يطيق فيه الصمت على تشريع الكنيست الإسرائيلي لعملية سرقة الأرض الفلسطينية، تحت اسم قانون تسوية الأراضي وتبييض البؤر الاستيطانية. وليس في وسعه أيضاً القفز عنه نحو عناوين أخرى تتنافس لديه على مركز الأولوية (المسلخ البشري في سجن صيدنايا، وسقف المواجهة الأميركية الإيرانية)، والمرور عنه بخفة، وكأن هذه السرقة المقننة أمر عادي يمكن غض البصر عنه مؤقتاً، أو تأجيله إلى مناسبة أخرى في المستقبل، ما دام أن في الجعبة الإسرائيلية فائض من الارتكابات الوضيعة.
وأحسب أن أكثر ما يلفت الأذهان في قانون الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، ومصادرتها بتشريع "ديمقراطي"، هو هذا الاستخفاف الإسرائيلي الشديد بردود الأفعال المتوقعة من جانب كل من تحداهم هذا القانون، وهذا الازدراء لكل المعايير والمواثيق والقوانين النافذة لدى المجتمع الدولي، كون أقصى ما ستواجهه هذه الدولة المارقة لن يتعدى بيان شجب تذروه الرياح الباردة، أو موقف إدانة قد لا يساوي الحبر الذي يُكتب به، اعتماداً على المنطق الاستيطاني القائل: إن الأمر الواقع سوف يدافع عن نفسه بنفسه في نهاية المطاف.
نعلم سلفاً أن إسرائيل لا تهتم ولا تتحسب لردود الأفعال على أي إجراء تتخذه، إلا لموقف الولايات المتحدة الأميركية، فما بالك وقد انتقلت هذه الدولة العظمى من موقع الحليف الاستراتيجي إلى خانة الشريك الكامل لدولة تسيطر عقلية العصابة على مقاليد الحكم فيها، الأمر الذي ينذر بعهد جديد من الجنون الاستيطاني والعربدة السياسة، طالما أن أميركا دونالد ترامب تقف في ظهر هذه المافيا، وتشد من أزرها في مواجهة الجميع (اليمين إلى اليمين نسيب)!
مع ذلك كله، فإن إسرائيل ومن خلفها إدارة ترامب، ليستا كليتيّ القدرة، ولا هما المبتدأ والخبر، طالما أن جزءاً كبيراً من الشعب الفلسطيني باقٍ في أرضه كشجر الزيتون، يأبى تكرار ما جرى له في العام 1948؛ وأن لدى ممثليه الإمكانية لملاحقة الدولة المارقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، من دون أن نسقط من الحساب أن لكل فعل رد فعل، مساويا له في القوة ومعاكسا له في الاتجاه، ولا سيما بعد أن ضاق العالم ذرعاً بصبيانية هذا الولد المدلل، وفاحت رائحة إسرائيل العنصرية، بحسب تعبير أحد الكتاب الإسرائيليين، قاله وهو يضع الإبهام والسبابة على أنفه.

التعليق