د.باسم الطويسي

نهاية العلوم السياسية كما عرفناها

تم نشره في السبت 11 شباط / فبراير 2017. 12:08 صباحاً

تزداد أزمة العلوم الاجتماعية والإنسانية التقليدية يوما بعد آخر. وفي بؤرة هذه الأزمة، تبدو أزمة العلوم السياسية التي فقدت قدرتها، في السنوات الأخيرة، على التنبؤ ورسم السيناريوهات. وهناك نقاش في الدوائر الأكاديمية وفي مراكز التفكير الاستراتيجي هذه الأيام، حول اتساع الفجوة بين ما يطرحه الخبراء وما تأتي به استطلاعات الرأي العام من جهة، وبين الوقائع على الأرض من جهة أخرى، حتى وصل الأمر بالبعض إلى قول إننا نشهد نهاية العلوم السياسية كما عرفناها على مدى أكثر من قرن؛ أي إن هذه العلوم فقدت أدواتها في قراءة الماضي وتفسير الأحداث الجارية وبناء التوقعات، على أسس علمية منتظمة وواضحة.
العالم يشهد تصدعا علميا كبيرا في مراكز التفكير المتقدمة في العلوم السياسية والاستراتيجية؛ لماذا لم تدرك تلك المراكز صعود تنظيم مثل "داعش"، أو تتوقع الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، أو تحولات الرئيس التركي أردوغان وسلوك الجمهور التركي بعد محاولة الانقلاب عليه، أو تصويت الأميركيين لترامب، أو عدم تمكن مؤسسات الأمن الأوروبية المتقدمة من اكتشاف أكثر من عملية تفجير إرهابية، أو توقع مآلات التحولات العربية، أو الطريقة التي تحولت بها وسائل الاتصال الجديدة إلى أداة للتزييف والأخبار الكاذبة في أيدي مؤسسات سياسية وجماعات صارخة جديدة لم يتوقعها أحد؟ الحقيقة البسيطة هي أن العالم يشهد حركة تغير سريعة جدا، تزداد وتيرتها كل يوم، تنال التكنولوجيا والأدوات وطرق استهلاك التكنولوجيا وإدارة الموارد، كما تغيرا سريعا في مفهوم القوة والفاعلين السياسيين وفي السلوك السياسي؛ إنها بيئة جديدة، بينما أدوات العلوم السياسية والاستراتيجية لم تتطور ولم تستجب لهذه التحولات.
في الوقت الذي فاقت سرعة التغيرات عالم الأكاديميا التقليدي، خطف السياسيون الجدد والفاعلون الجدد جانبا كبيرا من التأثير على مراكز التفكير، فيما ازدادت عمليا أنماط التفكير التآمري والبحوث القائمة على الأحكام المسبقة والتقديرات المطلوبة. في الولايات المتحدة، ونتيجة الإدراك للفشل المتتالي، أقر مجلس النواب الأميركي، في العام 2015، تشريعا يقضي بتقليص الإنفاق على مؤسسة البحوث الوطنية للعلوم الاجتماعية بنسبة
45 %. ويعود ذلك حسب مؤيدي التشريع إلى "عدم تمكن العلوم الاجتماعية، وعلى رأسها العلوم السياسية، من تحقيق أي اختراقات يستفاد منها تطبيقيا". وربما عمل هذا التشريع على إضافة المزيد من الضعف والتأزيم.
مرحلة اللايقين وعدم القدرة على التوقع وبناء التنبؤات، مصحوبة أيضا بضعف القدرة على إدراك الواقع وتفسير الأحداث، هما أحد الاتجاهات التي تحاول تفسير سلوك الناخبين في الولايات المتحدة الذين صدموا العالم بسلوكهم، وتبدو في الطريقة التي فسرت بها برامج الـ"توك شو" والخبراء الواقع الداخلي في الولايات المتحدة في مقابل حجم معاداتهم لترامب؛ بمعنى تفسير الواقع قبل التنبؤ. إن الطلب المتزايد من قبل وسائل الإعلام على خبراء السياسة والعلوم الاجتماعية وجاذبيتها المتصاعدة، زاد من الثرثرة السياسية والإعلامية باسم الأكاديميا. والخطورة هنا أننا نشهد انتقال هذه الظاهرة من الأفراد الذين يمارسون هذه الثرثرة، إلى المؤسسات ومراكز التفكير.
لا ندري ما هي التحولات التي ستقاد إليها العلوم السياسية في العقدين التاليين. اليوم، هناك جمهور كبير من الخبراء يرفض الاعتراف بهذه الأزمة، ويذهب نحو سلوك دفاعي يبرر به ما يحدث، ولا يمارس النقد الذاتي. لكن المطلوب، وليس المتوقع، هو مسار من الهدم والبناء في العلوم الاجتماعية، حتى تستطيع استيعاب العالم الجديد المعقد. وبالنسبة لنا في العالم العربي، فإنه لا يوجد ما نخسره، إذ نحن لم نبدأ بعد!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تطور (لميس)

    السبت 11 شباط / فبراير 2017.
    هو ليس هدم ولكن تطور ومواءمة وهكذا تكون العلوم السياسية والاقتصادية والفلسفية بل والدينية علوما بحق
  • »"لكل رؤية وسياسة" (يوسف صافي)

    السبت 11 شباط / فبراير 2017.
    شرحت واسهبت دكتور باسم عن الحالة التي افرزتها السياسات وهي متعدده ولايوجد تعريف عام يستطيع المنتمي الى سياسة محدّدة ان يلغي العلوم التي حددت القواعد السياسيه وتعريفها ؟؟ مايقرأ من غور ما أجدت وصفا هو انكفاء تيّار العالمية وهو واحد من العديد من السياسات والأيديولجيات التي امتهنها الساسة ؟؟ امّا الدول العربية والعديد من الدول النامية فقد تأثرت طردا حيث البعض عاشها قسرا "سياسة الإحتواء" والبعض الآخر" تبعية "؟؟امّا الأسباب الرئيسية هي فلسفة السياسة التي تم البناء عليها فهناك السياسة الأساسية ذات الثوابت كما سياسة المصالح التي بنيت وفق الهوى المصلحي الرغائبي لمؤدليجها ؟؟ والقارئ في السياسة الأمريكية وغيرها يجد ها تقع في بند المصالح والأنكى من تلحفت بفلسفة ميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) كالسياسة الأمريكية وهذا ماظهر جليا بعد عصر البوشين (الأب والأبن ) (انظر عندما ضرب بوش الأبن بثوابت سياسة هيئة الأمم المعلنه عندما لم يجد المبرر لغزوه ودماره العراق الشقيق ؟؟برّر ذلك" بأمر من الرب"حيث مثّل الدرجة القصوى لفلسفة ميكافيلي الغاية تبررالوسيلة (فقدان الإتزان البشري) ولوجا لتحقيق مصالح السياسة الأمريكية وتصدير الحرية والديمقراطية ؟؟؟؟؟ امّا اردوغان وسلوك الشعب التركي تجاه الإنقلاب عليه لان الحالة التركية تمر في اعادة التوازن للسياسة التي افرزتها سياسة علمانية اتاتورك لعدم توائمها ومنظومة المعرفة المجتمعية وخصوصا رافعها الثابت (العقيدة) وان استطاعت مزج حديثها مع روافعها المتحركة (قيم وثقافة وعادات وتقاليد) ؟؟؟وحتى لانطيل كل المؤشرات التي استغربت كانت ظاهرة وقد استشرف ذلك الكثير من المحللين الغربيين وغيرهم ناهيك عن الحس الملموس لمن تجرع نتائجها والأرقام الإحصائية العالمية حيث مؤشر الفقر والتهميش والإحتواء المقرون بالغطرسة وعدم عدالة توزيع مخرجاتها حتى افقدوا كثيرا من مصطلحات ادوات السياسة معناها الحقيقي"من ديمقراطية وحقوق انسان حتى استبدلوا الحرية ب الأمر الواقع ؟؟؟والأمثلة كثيرة وخير شاهد على السياسة توائمها الإقتصاد ؟؟15% اصحاب رؤوس الأموال مقابل 85% فقراء متخمين بالديون والأنكى نسبة الديون مع الدخل العام الدولي فاقت 186%؟؟ ولاننسى التقدم التقني في عالم الإتصالات وإعلام التواصل الإجتماعي (اعلام التقصي والحقيقة صوت وصوره) الذي كشف الواقع المخالف للمعلن لمن تستروا ولوجا لمصالحهم على حساب الغير ؟؟؟؟ناهيك عن صراع المعايير في المجتمعات التي امليت سياستهم عليهم وتم قوننتها مولد العنف وادواته بمختلف مسميّاتها" انظر وبعد دمار العراق وضرب بناه الإقتصادية والمجتمعية والثقافية وماتمخض بعده من ديمقراطية تم قوننتها وفق دستور برايمر سيئ الذكر ؟؟ ومخرجات ذلك من بؤر توتر واقتتال وداعش واخواتها ؟؟ وما انجبته الحرب الروسية الأفغانية واستدراج الشباب المسلم ودعمه من أجل قتال روسيا قبل ذلك ؟؟؟ امّا المتوقع اعظم وهذا ماتم تحليله من قبل الإستراتجيين في الغرب وتم نشره حيث السياسة الأمريكية بقيادة ترامب تتجه بوصلتها نحو الحرب المقدسة(وفق المنشورفي الصحافة العالمية) دون توضيح مسارها ؟؟؟؟ "ولاراد لقضاء الله بل اللطف فيه"