عيسى الشعيبي

اكشط ترامب واربح أميركا

تم نشره في الثلاثاء 14 شباط / فبراير 2017. 01:04 صباحاً

كم وددت لو أن لديّ روح الدعابة والسخرية اللاذعة، التي يتمتع بها زميلنا في "الغد" صالح عربيات، لكنت اخترت مدخلاً آخر، أقل تجهماً، لعرض جوهر فكرتي هذه حول الموضوع أعلاه، وهي فكرة بسيطة، مستمدة من عالم الإعلان الساذج القديم، قوامها حث المستهدفين بالحملة الترويجية، وهم الأطفال في العادة، على شراء منتجات استهلاكية زهيدة الثمن، مع وعد بالحصول على جوائز ترضية، تدغدغ فضول الصغار، حتى إن كانت مجرد أمنية بحظ أوفر في المرة المقبلة.
لقد خطرت لي هذه الخاطرة عندما كنت أستمع في الاسبوع الماضي إلى كلمة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، قال فيها إن الرئيس الأميركي الجديد أماط اللثام عن الوجه الحقيقي للولايات المتحدة، وهو قول أصدق من أي شيء آخر مر عليه السيد الخامنئي، في معرض هجومه الكلامي العنتري على التهديدات والعقوبات، ناهيك عن التحذيرات المتواترة على لسان ترامب وغيره من أركان الإدارة الجديدة، الراغبة في تقليم أظافر طهران، وربما تكسير أسنانها.
ولعل أوسع عملية كشط تسبب في إطلاقها، أو قام بها الرئيس الأميركي المندفع وراء تحقيق وعوده الانتخابية، تمثلت في قراره القاضي بمنع دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية إسلامية إلى "الفردوس الاميركي المفقود"، حيث كشف هذا القرار، أو قل كشط هذا الأمر التنفيذي، غلالة رقيقة كانت تحجب عن الأنظار قوة نفاذ الدستور الذي وضعه الآباء المؤسسون لبلد قوامه من المهاجرين، فأظهر ترامب بذلك وجهاً مشرقاً من وجوه دولة الحريات والقيم العليا والمساواة بين الأجناس والأعراق والأديان.
وبالفعل، فما إن أصدر دونالد ترامب امره التنفيذي، الذي تفوح منه رائحة الكراهية العنصرية، حتى قامت قيامة المجتمع الأميركي، بنخبه السياسية، ومثقفيه وصحافييه وحقوقييه ونجومه اللامعة، فضلاً عن السلطة القضائية التي علقت تطبيق القرار الرئاسي، وأعادت الأمور إالى نصابها الحقيقي، في مشهد لا يتجلى إلا في بلد ديمقراطي، فيه فصل بين السلطات، وتوازن بين المؤسسات المخولة بتطبيق القانون من دون إخلال بنص وروح الدستور.
كان لافتاً رفض وزيرة العدل بالإنابة وضع قرار الرئيس المتهور موضع التطبيق، وهي تدرك سلفاً أنها بهذا الرفض ستخسر منصباً تنفيذياً رفيعاً، وكان مدهشاً تضافر مواقف كبار موظفي الخارجية، ووسائل الإعلام، ومشاهير هوليوود، والمدعين العامين، والسياسيين السابقين، وكثيرين من أعضاء الكونغرس، وغيرهم من رجالات المجتمع الكبار، في تصديهم الحازم لذلك القرار الذي أصبح بسرعة قياسية في خبر كان.
غير أن أكثر ما أبرز وجه أميركا الحقيقي، الذي هجاه الخامنئي، تمثل حقاً في تلك المظاهرات الاحتجاجية المنددة بقرار ترامب الموجه ضد المسلمين، لا سيما تلك التي جرت في العديد من المطارات ومحطات الوصول، وما تخللها من استقبالات حافلة بالدفء الإنساني، ومن مظاهر ترحيب حارة بالقادمين، أحسب أنها فاقت أفضل التوقعات، لما انطوت عليه المشاهد المبثوثة من صور إنسانية جميلة، تنم عن روح أميركية متسامحة، لم نر مثيلاً لها إلا في كندا مؤخراً، وفي ألمانيا قبل نحو عام.
إزاء ذلك كله، فإنه يمكن الاستنتاج بثقة، أن الأميركيين الذين استفزهم دونالد ترامب، هم الذين قاموا بعملية كشط هائلة لقرار غير مدروس، أزاح فيه الرئيس القادم من عالم المال والأعمال طبقة غبار خفيف عن غلاف المنتج المعروض في السوق، ليتبين لنا بأم العين، وجه أميركا الحقيقي، ذلك الوجه الذي لم تستطع تشويهه السياسات الخارجية العمياء في الشرق الاوسط، ولا دبلوماسية البوارج الحربية، او الطائرات بدون طيار، أو غير ذلك من الوسائل والأدوات البشعة التي كادت أن تنسي شعوب العالم الوجه الأميركي التعددي الجميل.
هكذا، فقد أصاب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وهي من المرات النادرة التي يصيب فيها الولي الفقيه، حين قال إن ترامب قد كشف عن وجه أميركا الحقيقي، من دون أن يتذكر، لأمر يخص السجال السياسي المحتدم، أن من كشف هذا الوجه، ليس التهويل والمبالغات الإيرانية المعهودة، وإنما هم الأميركيون، الذين كان لسان حالهم يقول لنا؛ إنكم إذا خسرتم رئيساً للدولة العظمى الوحيدة، فقد كسبتم بالمقابل شعباً أميركياً مفعماً بالحياة الديمقراطية، وفي ذلك كسب أكبر من تلك الخسارة غير المأسوف عليها بالطبع.

التعليق