من دون أسبقيات

تم نشره في الجمعة 17 شباط / فبراير 2017. 01:03 صباحاً

في الأردن، لا يتم التدقيق في الكثير من الطلبات التي يتم التقدم بها للعمل أو السفر أو تجديد معاملة أو فتح مصلحة تجارية، من حيث مراجعة القيود الجرمية والتأكد من أن صاحب الطلب لم يرتكب أفعالا خارجة على القانون أو مخلة بالشرف. وبعض المهن والأعمال والمعاملات تتطلب تدقيقا إضافيا قد يذهب إلى ما هو أبعد من السجل، للتعرف على أفكار وميول واتجاهات وانتماءات الأفراد.
لا أعرف بالضبط عدد الأشخاص الذين ارتكبوا أفعالا خارجة على القانون، ولا عدد الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية، وسجلت هذه الأفعال والأحكام كأسبقيات بحقهم. لكنني أعرف أن حجم الجريمة وانتشارها كبير، وقد يكونان أكبر مما تعكسه التقارير الرسمية. والكثير من أصحاب السوابق يجدون أنفسهم محاصرين في ميادين ومجالات عمل ضيقة تحرمهم من المنافسة والتقدم المهني.
قبل أيام، تداول الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي خبر إشعال أحد السائقين النار في حافلة النقل العمومي التي يقودها، كاحتجاج على تسلمه مخالفة  لقواعد السير. وقد أثارت الحادثة جدلا واسعا في أوساط المتابعين الذين انقسموا بين إدانة ولوم السائق، وتسليط الضوء على الضغوط التي يعاني منها الناس بسبب ارتفاع الأسعار وتقلص الدخل وزيادة تكاليف الحياة وعشوائية الملاحقة والضبط أحيانا. وقبل أن ينتهي الجدل، أصيب الجميع بالذهول لسماع خبر يتعلق بوجود أكثر من ستين أسبقية في سجل السائق، لتتولد أسئلة جديدة حول مدى سلامة السماح لأصحاب الأسبقيات بقيادة حافلات عمومية.
في ستينيات القرن الماضي، كانت الجريمة في أعلى وأشد وأعنف مستوياتها في الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ كانت مراكز المدن الرئيسة أشبه ما تكون بميادين قتال يصعب دخولها أو السير فيها بعد حلول المساء. شيكاغو ولوس أنجلوس ونيويورك كانت من بين أكثر المدن التي تقاسمت السيطرة على شوارعها العصابات، بالقتل  والسطو والسرقة والمخدرات والابتزاز، وهي الأنشطة الرئيسة التي احترفها آلاف الشباب العاطلين عن العمل والناقمين على المجتمع وإدارته في أحياء ومناطق تعاني من التمييز والإقصاء والتهميش.
هذا الوضع الذي أقلق الرئيس الأميركي حينها ليندون جونسون، دفع به إلى تشكيل لجنة رئاسية من 19 شخصية سياسية وقانونية واجتماعية، ساعدهم 64 خبيرا في علم الجريمة والشرطة والاقتصاد والقضاء وعلوم النفس والاجتماع والتخطيط الحضري والإدارة. وشكل التقرير الذي أنجز تحت عنوان "تحدي الجريمة في مجتمع حر" (The Challenge of Crime in a Free Society)، الأرضية الصلبة للإصلاحات كافة التي أحدثت ثورة أميركية بيضاء في طريقة فهم الجريمة وأسلوب التعامل معها، ليس بصفتها أفعالا يقوم بها نفر قليل أو فئة محدودة معزولة، بل باعتبارها ظاهرة اجتماعية لها أسبابها وعواملها الكامنة في البناء والتنظيم الاجتماعيين السائدين، ولها انتشار واسع وآثار جسيمة على الأفراد والقيم والمجتمع والمستقبل.
في التقرير المطول الذي تحدث عن الجريمة وخريطة انتشارها وأسبابها، تبين أن الجريمة ظاهرة واسعة الانتشار، يرتكب الأفراد أحد أنواعها خلال مسيرتهم الحياتية. وفي ضوء ما ورد في التقرير الذي بيّن العوامل التي تجعل بعض الفئات أكثر عرضة لتكرار ارتكاب الجريمة والوقوع في أتونها، أوصت اللجنة بإطلاق برامج لإصلاح وتنمية وتطوير البيئة والمساكن والتعليم وبرامج الشباب، ودعم جهود الوالدين. فأُطلقت برامج لمجابهة الفقر وتحسين فرص تعليم الفقراء ورعاية الشباب واستثمار الوقت بأنشطة إيجابية تمنح لأبناء الفقراء فرصا للإنجاز والاعتزاز بالنفس وتحفيز الامتثال.
إعادة الهيكلة وتغيير أسلوب استجابة المؤسسات المعنية والإصلاح، هي إجراءات مهمة لم يغفلها التقرير الذي ما يزال أهم المصادر التي يتم العودة إليها عند التفكير بالجريمة وأساليب التصدي لها.
الاستجابة المجتمعية للجريمة تتطلب تفكيرا جديدا يتجاوز النظرة التقليدية لها باعتبارها سلوكا خارجا عن القواعد القانونية والاجتماعية تمارسه فئة محدودة، إلى النظر لها كحقيقة اجتماعية لها ظروفها وأسبابها التي لا يمكن اختزالها وتسطيحها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"الجريمة واسبابها" (يوسف صافي)

    الجمعة 17 شباط / فبراير 2017.
    أجدت شرحا استاذ صبري وان جاز لنا الإيضاح نجد ان صراع المعايير هو السبب الرئيس مما حدى با الإدارة الأمريكية لتشكيل اللجنة وشخوصها حيث أشرت ومن باب الإستدلال ولوجا للعلاج بعيدا عن التقليد ما نحتاجه في الأردن ومن خلال ذو الإختصاص ترميم منظومة المعرفة المجتمعية (القيم والثقافة وثابتها العقيدة) مما اعتراها من الوافد الينا دون استئذان وفلترة وتمحيص والأشد خطورة المملى علينا من قوانين ومنظمات تحت مسميات مزركشه (باطنها السم والدسم) الغير متوائمة على مكونات منظومة المعرفة المجتمعية (القيم والثقافة والعقيدة) مما خلق صراع المعاييرمولد العنف والصراع ؟؟؟ واعادة التوازن لها بلفظ المغاير لها والإستفادة من المتوائم مما يحد من الجريمة وأسبابها؟؟؟؟ وهذا بعكس المجتمع الأمريكي المبني على لفيف من المجتمعات وتعدد معايير المنظومات المعرفية لكل منهم الذي خلق صراع المعايير المؤدي الى الإنفصام في السلوكيات والأنكى انه تم اخماده من خلال الحسابات المادية كثابت مشترك لبّى رغبات المهاجرين حيث اسبابها تأمين سبل العيش وجمع المال؟؟ والتي اودت الى الجريمة المنظمّة وان قلصّت الجرائم الفردية حيث وبعد كل الدراسات والإستراتجيات ناهيك عن اجهزة الأمن وقوتها "مازالت هناك مناطق في عاصمتهم التجارية (نيويورك) يصعب الدخول اليها وتدار من قبل مافيات المخدرات والسلاح ؟؟؟ "ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"