نضال منصور

شفافية الحكومات وسلطة الفيسبوك بالأردن

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2017. 01:05 صباحاً

تتراجع بشكل درامي الثقة بالحكومات في الأردن، ولا يحظى أي قرار مهما كان بقبول الشارع، بل على العكس فإن حملات التشكيك تطاله واتهامات الفساد تلاحقه.
انهيار ثقة الناس بالحكومات ليس وليد حكومة الدكتور هاني الملقي، وإنما امتداد لعقود من الزمن شاعت فيها ممارسات التنفيع والمحسوبية وغياب العدالة وغض النظر عن الفساد، وتزامن ذلك مع ضعف الرقابة والمساءلة.
إذن ما يحدث الآن حصاد لأزمة ثقة وغياب الشفافية يدفع ثمنه المجتمع، ولا يقتصر الأمر على  الحكومات وحدها.
يكفي أن نعاين ما حدث في الأيام الماضية لندرك هذه الحقائق، فمنطقة العقبة الاقتصادية تقرر دعم حفل للفنان العالمي ياني، ومجلس إدارة الملكية الأردنية يعين حسين الدباس مديراً عاماً.
كان ممكنا لهذين القرارين أن يمرا بشكل اعتيادي لو أفصحت الحكومة عن إجراءاتها وأسبابها بكل وضوح وشفافية، وبشكل مقنع قبل أن تصبح حديث مواقع التواصل الاجتماعي.
لم تدرك الحكومات بعد أنه ما عاد ممكنا إخفاء شيء هذه الأيام، وأن سلطة الفيسبوك في الرقابة أعنف وأقوى مليون مرة من سلطة مجلس النواب، ورغم فوضى المعلومات وديكتاتورية الآراء على وسائل التواصل الاجتماعي فإن مزاج الشارع والرأي العام أصبح يصنع من خلالها، وعلى الحكومات أن تفكر وتتدبر أمرها بالتعامل مع هذه السلطة وأول القواعد المطلوبة الشفافية والإفصاح عن معلومات ذات صدقية أول بأول.
نعود لقرار منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بالمساهمة في استضافة حفل الفنان العالمي ياني، فالقول إن حضوره يسهم في وضع مدينة العقبة على خريطة السياحة كلام صحيح باعتقادي، والحديث بأن 100 ألف دينار لا تساوي شيئاً في ميزانيات ترويج السياحة في الإعلام وعند شركات السياحة العالمية متفق عليه أيضاً، واسألوا هيئة تنشيط السياحة، وادرسوا كم تنفق الدول على ميزانيات الترويج؟
والأهم أن حضور فنان عالمي معروف مثل ياني يؤكد بأن الأردن بلد أمن، وهذا يعزز فرص حضور السياح الأجانب بعد سنوات من الخراب بسبب أزمات وحروب المنطقة؟
السؤال هل صارحت منطقة العقبة الاقتصادية الناس بهذا الكلام منذ البداية، هل كانت الرواية متماسكة وموحدة، أم سُرّب ونُشِر كتاب بأنها دعم، ثم لاحقاً قيل بأنها سلفة مستردة؟
من حق الناس أن تسأل، هذا ليس حفلاً خيرياً تعود إيراداته لمؤسسات ذات نفع عام مثل مركز الحسين للسرطان أو للحفاظ على البيئة بالعقبة، فلماذا ندعمه إذن، وآخرون يسألون أليس أولى أن ننجز صيانة "الحمّامات العامة" التي فضحنا السائح الأميركي بالفيديو الذي نشره واضطرت وزيرة سياحتنا للاعتذار؟
وحتى أكون واضحاً فإني مع الحفلات العالمية ولكن ضمن خطة تسويق واضحة ودراسة جدوى لعائداتها وفوائدها المباشرة وغير المباشرة، وباعتقادي أن رئيس مفوضية العقبة ناصر الشريدة يملك كل المؤهلات ليتخذ قرارات مدروسة وناجحة.
وفي ذات السياق فإن قصة تعيين حسين الدباس مديراً عاماً للملكية الأردنية تعكس بالإضافة لضعف الثقة بالحكومات والمؤسسات الوطنية انعدام التنسيق بين أجهزة الدولة، فمن الواضح أن مجلس إدارة الملكية لم يتفق مع الحكومة على هذا القرار أو أن الحكومة تراجعت عن موقفها بعد الاطلاع على ردود الشارع؟
حسين الدباس ليس طارئاً على الملكية الأردنية، فقد عمل بها لعقود وكان من أنجح المدراء والرؤساء التنفيذيين، وتصدّى لعاصفة الربيع العربي التي تسببت بأزمة مالية طاحنة لكل شركات الطيران، والإنصاف يقتضي القول بأنه لا يتحمل مسؤولية خسائرها للعام 2011 قبل أن يستقيل؟
بوجهة نظري، المشكلة ليست بتعيين الدباس، وإنما لماذا يكون هناك مدير عام للملكية، ورئيس تنفيذي بذات الوقت، فإذا كنا بحاجة للدباس علينا أن نعدد الأسباب تفصيلاً ويحدد مجلس الإدارة مبررات اختياره ويكلف بالإدارة مجتمعة حتى لا يكون هناك تعارض في الصلاحيات؟
مشكلة الحكومة أنها تريد أن تدير الدولة بطريقة وعقلية القرن الماضي دون أن تنظر للمتغيرات وخاصة في سلوك وموقف المجتمع بعد ثورة الاتصالات.

التعليق