الفوضى والشك وغياب اليقين

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2017. 12:04 صباحاً

في الصين ما إن يفتح باب القطار حتى يتدافع من داخله المئات وفي رأس كل منهم خريطة اتجاهاته، يركض ليسبق الزمن فلا وقت لديه للتردد أو التسكع أو القيام بزيارات بلا اهداف. كُثر منا يمضون أجزاء من الساعة الأولى بعد الصحو ليرتاحوا من النوم، سياراتنا تندفع الى الشوارع والطرقات قبل أن نحدد مقاصدنا فنغير مسارنا مرارا ونعود لبيوتنا دون أن نعرف لماذا تركناها. حالة الفوضى التي نعيشها لا تتوقف عند سلوكنا وعلاقاتنا بل تطال تفكيرنا ومشاعرنا، فبعضنا لا يعرف إن كان يحب السفر أو ملازمة البيت وآخرون لم يحسموا إذا ما كانوا يفضلون العمل الميداني على المكتبي أو الزواج على ان يبقوا عازبين. في نفوسنا عشرات الرغبات المشروخة والمشروعات التي لم تكتمل..  وفي  صدورنا الكثير من الشك والقلق والاتهام،  فلماذا كل هذه الفوضى؟
بعض ما يشهده مجتمعنا من تشكيك وفوضى واتهام مرتبط بعلاقة البنى والهياكل الاجتماعية  التقليدية بالبنى والنظم الحداثية الجديدة التي وصلت الى مجتمعاتنا دون أن تأتي معها القيم والأخلاق والإجراءات التي أسهمت في نجاحها وإدامتها. حالة المزاوجة بين البنى الحداثية والقيم التقليدية دون معالجة المشاكل والمآخذ المسؤولة عن  هشاشتها سبب أساسي من أسباب حالة الفوضى واللايقين التي نعيشها.
المجتمعات الصناعية تسعى من خلال مؤسساتها البحثية وبيوت الخبرة ومراكز المعلومات  إلى فهم واقعها وتحديد مصالحها وعلاقاتها ووضع الاستراتيجيات الكفيلة بتحقيق أهدافها. في هذه المجتمعات لا تترَك الأمور للصدفة او التخمين والارتجال؛ فالمجتمع والمؤسسات تسير بخطى ثابتة باتجاه تحقيق المصالح المحددة بأعلى درجات التعاون والفهم المشترك والتنسيق، لذا فهي تتقدم بصورة دائمة ونحن نراوح مكاننا. 
منذ تأسيس الكيان الاسرائيلي والنظام الغربي في علاقة ملتبسة مع النظام السياسي العربي والأمة الإسلامية لأسباب أهمها الاختلاف العقائدي والموقف الغربي المؤيد والداعم للكيان الاسرائيلي. إضافة إلى اختلاف القيم وانظمة الحكم وأنماط العيش. وبالرغم من هذا الوضع والتباين استطاعت الأنظمة الغربية إقامة علاقات دبلوماسية مع الأنظمة العربية أسهمت في الحفاظ على مصالحها دون الاهتمام كثيرا في بناء علاقات موازية مع الشعوب العربية. 
في العقدين الأخيرين وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وانتشار العولمة بأبعادها الاقتصادية والأمنية والثقافية والتكنولوجية، أبدت بعض الأنظمة العربية والعالمية معارضتها للعولمة وحاولت إظهار خصوصيتها الثقافية ورفضها للظلم؛ فانطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية ضد الاحتلال الاسرائيلي وتولدت بعض الجماعات التي اتخذت من العنف والإرهاب طريقا للاحتجاج والانتقام، فجاءت أحداث 11 سبتمبر وعملت أميركا والقوى الغربية على احتلال أفغانستان، ومن ثم العراق مخلفة وراءها الكثير من التفرقة والفوضى والدمار.
الأحداث التي ظهرت في الشرق الأوسط منذ احتلال العراق وإشاعة الفوضى في تونس ومصر وليبيا وسورية تأتي ترجمة لنظرية "الفوضى الخلاقة" التي تم تبنيها من قبل إدارة جورج بوش الابن وتحدثت حولها مستشارة الأمن القومي كونداليسا رايس باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها لتدمير الأفكار والقيم والمبادئ القائمة في المجتمعات المستهدفة وإيصالها إلى حالة من اليأس تدفعها للترحيب بأي تدخل يعيد لها النظام. عند هذه المرحلة يمكن للولايات المتحدة والعالم الغربي أن يحدث التغيير المرغوب في واقع هذه الانظمة والمجتمعات التي تعيش خارج دائرة التاريخ.
الفوضى الخلاقة التي يسعى الريغانيون الجدد الى إحداثها في المنطقة تستند إلى مفهوم" فجوة الاستقرار" التي تحدث عنها هنتنغتون؛ وهي الفجوة التي يشعر المواطن بوجودها بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فتنعكس بضيقها أو اتساعها على الاستقرار بشكل أو بآخر.
 اتساع الفجوة بين الطموحات والواقع يولد إحباطاً ونقمة، مما يعمل على زعزعة الاستقرار السياسي، خصوصا إذا ما انعدمت الحرية الاجتماعية والاقتصادية، وافتقر صناع القرار للقابلية والقدرة على التكيف الايجابي، مما يؤدي إلى الاحتقان الذي قد يتطور الى مطالب ليست سهلة للوهلة الأولى، وأحياناً غير متوقعة، ما يفرض على مؤسسات النظام ضرورة التكيف من خلال الإصلاح السياسي، وتوسيع المشاركة السياسية، واستيعاب تلك المطالب. أما إذا كانت تلك المؤسسات محكومة بالنظرة الأحادية، فإنه سيكون من الصعب الاستجابة لأي مطالب، إلا بالمزيد من الفوضى التي يرى هنتنغتون أنها ستقود في نهاية الأمر، إلى استبدال قواعد اللعبة واللاعبين.
الأفكار التي يطرحها ترامب حول القضية الفلسطينية وتوقف إدارته عن تبني حل الدولتين فصل جديد من فصول الفوضى الخلاقة الرامية الى إدخال الإقليم في حالة من الفوضى والتخمين والشك وتبادل الاتهامات وفقدان الأمل. كل ذلك لتفكيك ما تبقى من النظام العربي لحساب أن تبقى اسرائيل القوة الوحيدة في الإقليم.

التعليق