ماجد توبة

مشكلة الأردنيين!

تم نشره في الاثنين 20 شباط / فبراير 2017. 01:06 صباحاً


لا يستطيع أحد المزايدة على وعي الأردنيين، وتمسكهم بأمن بلدهم واستقراره، ومجرد نظرة تقييمية للسنوات الست الماضية، الموسومة بسنوات "الربيع العربي"، تظهر بوضوح كيف حافظ الأردنيون، رغم كل الصعاب والمعاناة وحتى عدم الرضا عن السياسات الحكومية، على بلدهم واستقراره في ظل هذا المحيط المشتعل والمنهار.
ويعرف الأردنيون حجم التحديات التي تواجه بلدهم، سواء من ناحية الجغرافيا التي تفرض تحدياتها وقساوتها، أو من ناحية نقص الموارد والإمكانيات الطبيعية، وهم تحملوا دائما ويتحملون ضريبة هذا الواقع الموضوعي.
كذلك، لم يقتنع الأردنيون ولم يؤيدوا في غالبيتهم، البرامج الاقتصادية التي اعتمدت كنهج رسمي منذ نهاية الثمانينيات الماضية، والتي استندت أساسا إلى برامج صندوق النقد والبنك الدوليين فيما سمي زورا "التصحيح الاقتصادي"، لكنهم بالمحصلة تحملوا، وبما فاق طاقاتهم، هذه البرامج، وما جرته من تدهور للمستويات المعيشية وانسحاق للطبقات المتوسطة والفقيرة، وما ولده ذلك من سلسلة مركبة من الاختلالات والمشاكل الاجتماعية والنفسية والسياسية.
28 عاما مرت منذ العام 1989، توالت فيها سياسات التحرير الاقتصادي، وانسحاب الدولة من الكثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية، وبرامج "معالجة" التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الوطني، وكانت المحصلة اليوم تصاعدا للدين العام للدولة، واستمرارا للعجز في الموازنات العامة، والاضطرار للعودة مجددا ومجددا لصندوق النقد الدولي ووصفاته التصحيحية، فيما، تمخضت هذه السنوات العجاف، على الجانب الآخر، عن المزيد من التدهور للمستويات المعيشية لمختلف الطبقات، واستمرار البطالة عند نسب مرتفعة، وتوسع مساحات الفقر بشقيه، المدقع والمطلق.
كما تمخضت السنوات العجاف عن عدد من قضايا الفساد الكبرى، التي حفرت في العقل الجمعي عميقا، لتزيد المعاناة المعيشية معاناة أخرى بتراجع منسوب الثقة بالحكومات وبشفافيتها، وذلك قبل أن تعود الدولة وتحدث انعطافة مهمة في هذا السياق، بفتحها ملفات فساد كبرى وجدت طريقها للقضاء كما في قضايا الفوسفات وموارد والكازينو والسطو على أراضي الدولة ومياهها وغيرها، ما أعاد إلى حد ما ترميم الثقة الشعبية بجدية الدولة في التصدي للفساد، وعدم السماح باستمراره، رغم بعض الملاحظات هنا وهناك.
السؤال اليوم، هو أنه إذا كان المواطن الأردني تحمل، بشكل عام، مصاعب وأعباء كل هذه السنوات العجاف بكل مرارتها الاقتصادية والمعيشية، فما الذي يدفع به اليوم إلى الإغراق في التشاؤم والإحباط والاحتقان تجاه استمرار سياسة الجباية الحكومية، والمحاولة الجديدة لمعالجة عجز الموازنة العامة؟! وهي حالة نزعم اليوم أنها باتت واضحة للعيان وتثير القلق على جميع المستويات.
أعتقد أن مشكلة الأردنيين، ليست في عدم قدرتهم على التحمل والمعاناة على أهمية ذلك، بل هي اليوم في ترسخ فقدانهم للثقة بقدرة وكفاءة الحكومات وبرامجها في معالجة الأزمة الاقتصادية للبلاد، وعدم رؤيتهم منذ ثلاثة عقود وحتى اليوم لخطط تنموية اقتصادية حقيقية ومتكاملة، لا تكتفي فقط بمعالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد والموازنة العامة والعجز، بل وتقدم أيضا حلولا تنموية واستثمارية وانعاشية للقطاعات الاقتصادية المختلفة، يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية وتحقق نموا اقتصاديا ينعكس على الناس.
لم نر خلال السنوات العجاف في العقود الأخيرة خططا تنموية حقيقية ومتكاملة لتطوير القطاع الزراعي مثلا، أو القطاع السياحي، أو قطاع تكنولوجيا المعلومات، أو الصناعات الخفيفة أو الثقيلة، أو غيرها، بحيث يتم تحديد نسبة نمو معينة في هذا القطاع أو ذاك خلال سنة أو خمس او عشر، ويتم الاشتغال على تحقيقها عبر خطوات وسياسات مرسومة ومؤسسية، بعيدا عن فذلكات وتهويمات سياسيينا، الذين لا ينظر بعضهم إلى أبعد من أنوفهم بمعالجتهم للأزمات والتحديات الاقتصادية!
مشكلة الأردنيين اليوم هي غياب الأمل والأفق أمامهم بوجود نهاية لهذه الأزمة الاقتصادية، التي استهلكت فيها الحكومات واستنزفت كثيرا مستوياتهم المعيشية إلى حد الفاقة والعوز. هم يريدون حكومة يثقون بكفاءتها وقدرتها على اجتراح حلول حقيقية، حلول تصنع تنمية حقيقية، حكومة تمنحهم الأمل والثقة بالمستقبل وبضوء في آخر نفق التقشف والتضحيات والمعاناة المعيشية.

التعليق