ترامب واستراتيجيته التجارية

تم نشره في الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

ريتشارد بولدوين*

لندن ــ في الأسابيع الأخيرة هيمن على العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام قرار دونالد ترامب التنفيذي المخزي الذي قضى بمنع دخول اللاجئين وغيرهم من سبع دول ذات أغلبية سكانية مسلمة إلى الولايات المتحدة. ولكن الضرر الذي لَحِق بصورة أميركا، والاقتصاد العالمي، سوف يتفاقم حتما بفِعل قرارات ترامب المبكرة بشأن التجارة. في خطبه وتغريداته على موقع تويتر، انتقد ترامب العولمة بشكل شديد العدوانية. كما عيَّن خَصم التجارة الشهير المنادي بفرض تدابير الحماية روبرت لايتهايزر في منصب الممثل التجاري للولايات المتحدة. ولا يقل العضوان الآخران في هيئته التجارية الثلاثية ــ وزير التجارة المكلف ويلبر روس ومستشار البيت الأبيض لشؤون التجارة بيتر نافارو ــ مناصرة ودعما لتدابير الحماية من لايتهايرز.
يعتقد كثيرون من الأميركيين من أبناء الطبقتين العاملة والمتوسطة أن اتفاقيات التجارة الحرة كانت السبب وراء ركود دخولهم على مدار العقدين المنصرمين. ولهذا، يعتزم ترامب "تزويدهم بالحماية" من خلال تعيين أنصار فرض تدابير الحماية في موقع المسؤولية.
بيد أن ترامب وثالوثه التجاري أساءوا تشخيص المشكلة. ففي حين تُعَد العولمة من العوامل المهمة في تفريغ الطبقة المتوسطة، لعبت الأتمتة (التشغيل الآلي) أيضا دورا في هذا الأمر. كانت أغلب خبرة لايتهايزر وروس في عالَم الأعمال تدور حول صناعات القرن العشرين مثل إنتاج الصلب، الأمر الذي ساعد في تهيئتهما لملاحقة حلول من القرن العشرين لمشاكل أميركا الصناعية في القرن الحادي والعشرين.
من المؤسف أن تدابير الحماية العتيقة الطراز لن تُفضي إلى تعزيز القدرة التنافسية الصناعية الأميركية، حتى وإن تمكنت من إنقاذ بضعة آلاف من الوظائف في القطاعات المضمحلة. وعلاوة على ذلك، لن يحقق تمزيق الاتفاقيات التجارية ورفع الرسوم الجمركية شيئا يُذكَر عندما يتعلق الأمر بخلق فرص العمل المجزية في المصانع. بل لن تؤدي الرسوم الجمركية إلا إلى إلحاق المزيد من الأذى بالعمال.الواقع أن ترامب وفريقه يغفلون نقطة بسيطة: وهي أن العولمة في القرن الحادي والعشرين تقودها المعرفة وليس التجارة. فبفضل تكاليف الاتصالات التي انخفضت بشكل جذري تمكنت الشركات الأميركية من نقل إنتاجها إلى الدول حيث الأجور أقل كثيرا. وفي الوقت نفسه، لجأت الشركات أيضا إلى نقل قدر كبير من معارفها الفنية والتسويقية والإدارية إلى الخارج بهدف الحفاظ على انضباط عملياتها الإنتاجية. والواقع أن "نقل المعرفة إلى الخارج" على هذا النحو هو الذي عمل بالفعل على تغيير قواعد اللعبة بالنسبة للعمال الأميركيين.
في العام 2017، لا يتنافس العمال الأميركيون مع العمالة الأجنبية المنخفضة الأجر، ورأس المال، والتكنولوجيا، كما كانت حالهم في سبعينيات القرن العشرين، بل يتنافسون في واقع الأمر مع تركيبة يكاد يكون التغلب عليها مستحيلا من العمالة الأجنبية المنخفضة الأجر والمعرفة الأميركية. ولعل إحدى الطرق لتوضيح هذا الأمر تتمثل في تصور المنتجات الأميركية على أنها تُصنَع ليس في الولايات المتحدة، بل في مصنع أميركا الشمالية. أي أن السلع المصنوعة في مصنع أميركا الشمالية تضطر إلى التنافس مع السلع المصنوعة في مصنع آسيا، ومصنع أوروبا، وهكذا دواليك. وعلى هذا فإذا فرضت إدارة ترامب رسوما جمركية فإنها بهذا تحول الولايات المتحدة إلى جزيرة مرتفعة التكلفة للمدخلات الصناعية. وربما يتسبب هذا في دفع الشركات إلى إعادة بعض إنتاجها إلى الولايات المتحدة، إذا كان هذا الإنتاج يستهدف المستهلكين في الولايات المتحدة فقط. ولكن نفس الأمر ربما يشجعها بنفس القدر على نقل إنتاجها الذي يستهدف أسواق التصدير إلى الخارج، حتى يتسنى لها منافسة المنتجين اليابانيين، والألمان، والصينيين خارج الولايات المتحدة.
إن فرض الرسوم الجمركية عل الواردات، من دون العمل أيضا على منع تدفق الأفكار والملكية الفكرية، أشبه بمحاولة منع المياه من التدفق عبر أصابع اليد بجعلها في هيئة قبضة. ويتمثل النهج الأكثر عقلانية في قبول حقائق القرن الحادي والعشرين. فقد غيرت تكنولوجيا المعلومات العالَم على نحو تعجز الرسوم الجمركية عن عكسه. وفي حين يتنافس العمال الأميركيون بالفعل ضد الروبوتات في الداخل، وضد العمالة المنخفضة الأجر في الخارج، فإن تعطيل الواردات لن يؤدي إلا إلى خلق المزيد من فرص العمل للروبوتات.
ومن خلال ملاحقة هذه السياسات، تُصبِح فرصة إدارة ترامب في جعل أميركا "عظيمة مرة أخرى" أفضل كثيرا لصالح الطبقات العاملة والمتوسطة. الواقع أن العولمة كانت ناجحة دوما في خلق المزيد من الفرص للعمال الأكثر قدرة على المنافسة، ولكنها كانت أيضا السبب في المزيد من انعدام الشعور بالأمان بالنسبة لآخرين.

*أستاذ الاقتصاد الدولي في معهد الدراسات العليا في جنيف.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

التعليق