د. جاسم الشمري

الحياة على حافة الموت

تم نشره في الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2017. 12:04 صباحاً


تُعد الطفولة من أروع المراحل الإنسانية من حيث الجمال والبراءة والنقاء والصفاء. والأطفال هم الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الأوطان. والبناء الصحيح لمرحلة الطفولة -كما أثبتت التجارب- يقود إلى صنع الرجال والنساء الصالحين، وكذلك تدعيم جوانب الحياة الإنسانية كافة بالطاقات المتجددة والنافعة، وأن ما يُبنى في مرحلة الطفولة، سواء أكان هذا البناء سلبياً أم إيجابياً، سيجني المجتمع ثماره.
الطفولة في العراق تتعرض الآن، وفي كل ساعة تقريباً، إلى إعدامات معنوية ومادية، وبالأخص في المحافظات التي تعاني استمرار العمليات العسكرية فيها منذ سنوات. وقبل أيام عدة، حدثني أحد زملائي في الدراسة الجامعية العليا من أهالي الموصل عن أنه وعائلته خرجوا من المدينة بعد أن رَأَوا الموت بأعينهم، وكأن الساعة قد قامت عليهم، وأنه مهما حاول أن يصف بشاعة وضراوة النيران المستخدمة في الهجوم فإنه لا يستطيع نقلها، وأن "القوات المهاجمة لا تفرق بين مقاتلي "داعش" والمدنيين، وكل ما يشغلها هو تدمير الأحياء السكنية لمسك الأرض من دون النظر إلى حجم الخسائر البشرية والمادية".
ومما استوقفني في حديثه المرير أن ابنه كان يقول له في كل ليلة: "أبي متى نموت؟". ويضيف: "لم أكن أعرف ساعتها كيف أرد على سؤاله الكبير والمتكرر في كل ليلة".
منظمة الطفولة العالمية "اليونسيف" سبق وأكدت أن "ثمة 4.7 مليون طفل تأثروا مباشرة بالنزاع في عموم العراق. وهناك 3.5 مليون طفل خارج المدرسة. وفي داخل الموصل هناك أكثر من نصف مليون طفل". وأول من أمس، أكد ماوريتسيو كريفاليرو، مدير مكتب منظمةSave the" Children" البريطانية غير الحكومية في العراق أن "نحو 350 ألف طفل وفتى تقل أعمارهم عن 18 عاماً عالقون في القسم الغربي من الموصل"، وأن "عواقب عمليات القصف في هذه الشوارع الضيقة والمكتظة بالسكان قد تكون أكثر دموية من كل ما عرفناه حتى الآن"، و"الأطفال أمام خيارين مروّعين في الشطر الغربي من الموصل؛ عليهم أن يختاروا بين القنابل والمعارك والجوع إن بقوا، والإعدامات ورصاص القناصة إن حاولوا الفرار". وأن "على القوات العراقية وحلفائها وبينهم الولايات المتحدة وبريطانيا، بذل كل ما في وسعهم لحماية هؤلاء الأطفال وعائلاتهم الذين يعانون نقص الطعام والمياه والأدوية".
وسبق لليونسيف أن كشفت نهاية العام الماضي عن "وجود أكثر من 16,000 طفل في مخيم ديبكة، ممن نزحوا من مناطق مختلفة في شمال العراق". وذكر تقرير للمنظمة بعض قصص الفارين من جحيم المدينة، من بينها قصة حَسن، الصبي في التاسعة من عمره، وكيف أضطُر هو وعائلته إلى ترك ديارهم بسبب العوز، ونفاد ما لديهم من طعامٍ ومال. وأضاف: "لم يكن لدينا سوى الباذنجان لنأكله". وكذلك قصة الصبي ماهر الذي "وصف رحلته سيراً على الأقدام هو وأخته الصغرى، زهراء، مع والديه، وكيف كانت رحلة شاقةً ولمدة تزيد على 15 ساعة متواصلة للوصول إلى هذا المخيم".
فهل يعقل أن الأهالي يسيرون على أقدامهم أكثر من 15 ساعة وسط القذائف والألغام المحيطة بالمدينة للوصول للمخيمات؟ أعتقد أنها رحلة نحو الحياة على حافة الموت! ثم أين الممرات الآمنة للمدنيين الفارين من جحيم المعارك التي تتحدث عنها حكومة بغداد؟!
استمرار الاستخفاف بحياة عموم العراقيين، والأطفال على وجه الخصوص، سينتج جيلا ناقماً على البلد، لا يؤمن بالانتماء الوطني، لأن الحكومات التي تقتل أبناءها لا يمكن أن تمثلهم، والنواب الصامتين عن قتل أهلهم لا يمكن أن يمثلوا محافظاتهم المنكوبة.
العراق بحاجة إلى حكمة في التعامل مع الوضع القائم، عبر خطة وطنية حكيمة، لفرز الأشرار عن الأخيار الذين يمثلون الأكثرية العظمى. لهذا ما يحصل اليوم هو عمليات انتقام جماعي واضحة.
البناء المبكر لرجال الوطن من الأطفال والصبيان يكون بتهيئة الظروف الصحيحة لنشأتهم، والتي ستقود بلا شك إلى أن يكونوا بناة ومنتجين، وإلا فإننا جميعاً سندفع ثمن إهمالهم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طفولة في مهب الريح! !!!!!!!! (ابتسام الغالية)

    الخميس 23 شباط / فبراير 2017.
    (الحياة على حافة الموت )عنوان مؤثر جداا .المقال كتب بقلم كاتب يقطر انسانية بقلم يعكس أو يترجم مايكمن داخل النفس البشرية من ألم يعتصرها على معانات أبناء جلدتها.
    بعد عام 2003 كل شيء في العراق أصبح حياة على حافة الموت أصبحنا نعيش يومنا ولا نفكر بغدنا صار طموحنا أن يجنبا الله شر الأشرار لليوم الذي مازلنا فيه على قيد الحياة .
    لكن أكثر الأمور سوءا هو ماحدث بعد انتشار داعش في بعض المحافظات ونزوح أهلها وفي عمليات التحرير كما يطلقون عليها من قتل وسلب ونهب وامتهان لأبسط حق للإنسان في حفظ كرامته من خلال توفير الحياة الكريمة له.
    أما الطفوله في العراق أصبحت في مهب الريح (تشريد وتسول ومخدرات وسرقة وجهل وانتشار الأمية لتسرب اعداد كبيرة من الأطفال عن الدراسة لكي يعملون ويوفرون لقمة العيش لعواءلهم المحتاجة. أتسائل كيف سيكون مستقبل العراق أذا أجيال المستقبل يعيشون حياة على حافة الموت؟ ؟!!!!!
  • »معاناة كبيرة (د. ماجدة . بغداد)

    الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2017.
    اطفال العراق دفعوا ويدفعون ثمن العملاء والخونة والسراق ماذا نتوقع منهم وهم في عمر الزهور لا يَرَوْن الا الجثث ويسمعون اصوات الانفجارات ويعيشون معاناة كبيرة اكثرهم اضطر لترك الدراسة وذهب الى سوق العمل او فقد اهله المأساة كبيرة دكتور
  • »جيل الاطفال القادم (نوفل الحسيني)

    الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2017.
    تحية احترام وتقدير للاخ الدكتور جاسم الشمري على مقاله الرائع والذي تناول مشكلة لشريحة واسعة من ابنا العراق الا وهم الاطفال ... وبالرغم من مرضي الشديد الذي لازمني ولايزال الفراش منذ عدة ايام الا اني اثرت ان اقرأ مقالة الدكتور واعلق عليه ببعض الشيء واقول ان ماحصل للعراق وشعبه ومامر به من مأسي بكل انواعها تغابى او تناسى من كان السبب انهم بافعالهم هذه يصنعون الارهابيين والمرضى النفسيين ..فطفل يرى ابوه يقتل امامه ماردة فعله حين يكبر ومن يرى بيته يدمر هل سينسى ماحصل ومن يفقد عائلته امام عينه ومن يرى امه او اخته تغتصب وغير وغير ذلك من صور قاتمة وبائسة لايستطيع ان يعبر عنها حاليا فهل سينسى عندما يكبر فهم يصنعون الارهابيين وهم من يصنع المرضى النفسيين ....
  • »اطفال على حافة الموت (سوسن فيصل)

    الثلاثاء 21 شباط / فبراير 2017.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.... استاذي،الكريم كفيت ووفيت عن احوال الأطفال وماتتعرض من هولات الحرب...
    كبيرة هي معاناة أطفال العراق وسوريا في كلّ يوم، يعيشون تجارب جديدة أو استثنائية، لا يفترض أن يمرّوا بها. ولا شكّ في أنّ كلّ ما عاشوه سيبقى محفوراً في ذاكرتهم. كلّ ما يقال أو يكتب ليس إلّا جزءاً يسيراً من مأساة جيل المستقبل، وسط صمت العالم. هؤلاء سيجرّون وراءهم دائماً حملاً ثقيلاً هو ماضي الحرب. -
    الحياة الصعبة التي يعيشونها تدفع عدداً كبيراً من المتطوعين والعاملين في المنظّمات الإنسانية إلى تنظيم نشاطات لمساعدة الأطفال وإشعارهم بالأمل والأمان، خصوصاً أولئك الذين يعيشون في المناطق التي تشهد قصفاً مستمراً للطائرات....والكثير حرم من فرص التعليم وبات الذهاب الى المدارس،من الأمور المعقدة الى،متى،كل هذا...؟؟،،