"الطب الدقيق".. حقيقة أم خيال؟

تم نشره في الأربعاء 22 شباط / فبراير 2017. 12:04 صباحاً



على الرغم من التقدم الهائل الذي يحدث في عالم الطب، فإنّه بقي لقرون طويلة يعالج الحالات المرضية بناء على الأعراض الظاهرة على المريض، مثل الشعور بالألم، وارتفاع الحرارة، والسعال، وغيرها. وهي أعراض لا تختص بمرض بعينه، وإنما تشترك  فيها مجموعة من الأمراض ذات عللٍ مختلفة، ما أدى إلى استخدام علاجات غير فعّالة، وقد يفوقُ ضررها نفعها في بعض الحالات.
إذ معظم العلاجات تُستخدم بناءً على نتائج قياس متوسط تأثير هذه الأدوية في علاج مجموعة معينة من المرضى؛ أي إننا نقوم بإلقاء شباكنا بصورة عشوائية وغير محددة، وقد يستفيد بعض المرضى من العلاج، بينما قد لا تتحقق الفائدة  للمرضى الآخرين.
وفي العقدين الأخيرين، حصلت نقلة نوعية في العلاج نتيجة لاكتمال مشروع "الجينوم" البشري، فأصبحنا أكثر قربا من فهم الأسس الجزيئية والخلوية للعديد من الأمراض، وأصبحنا نعرف أن هذه الأمراض وإن صنفت تحت المسمى نفسه، فإنها تنتج، في الواقع، عن طفرات جينية مختلفة، ما يفسر الاختلاف في تطورها ودرجة شراستها، والتباين في الاستجابة للعلاج من مريض لآخر.
فسرطان الرئة، على سبيل المثال، هو مجموعة أمراض، وليس مرضاً واحدا. والدواء الذي قد يكون فعّالاً في علاج مريض ما، ربما يكون استخدامه مع مريضٍ آخر مجرد عبث! وهذا ما يقودنا الى ما يسمّى "الطب الدقيق" (Precision Medicine)، والذي يعني: إعطاء الدواء المناسب للمريض المناسب في الوقت المناسب، من خلال أدوية موجهة أكثر كفاءةً وأقلّ سميةً.
إذ في مجال علاج السرطان، سنتمكن من تجنيب آلاف المرضى الخضوع للعلاج الكيماوي، وإعطاء هذه الأدوية الأكثر نجاعة ومثيلاتها فقط لأولئك الذين يملكون فرصاً حقيقيةً للاستجابة لها. وسنحقق فوائد جمّة في مجال الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض من خلال فهمنا لآليات المرض، ودراسة الجينات. وعوضاً عن إجراء فحوصات غير محددة لأعداد كبيرة من السّكّان، سيصبح بالإمكان توجيه هذه الفحوصات إلى أولئك الذين يملكون فرصاً حقيقية للاستفادة منها. وهو ما سيؤدي حتما إلى التقليل من التكلفة الباهظة لهذه الفحوصات، وبالتالي جعلها في متناول أكبر عدد من المواطنين والدول.
إن "الطب الدقيق" ليس بدعة حديثة، ولطالما استخدمت بعض تطبيقاته عبر مئات السنين. وما نمارسه أثناء عملية نقل الدم للمرضى، حيث يُعطى كل مريض نوع الدم الذي يلائمه، ما هو إلا مثال واحد على بعضٍ من تطبيقات هذا الطب. لكن ما نرمي إليه هنا، هو استخدامه على نطاقٍ واسع ليشمل العلاج معظم الأمراض المعدية وغير المعدية، وذلك بفضل الكم الهائل من المعلومات التي في حوزتنا، والتي يوفرها لنا التحليل الجيني، والسجلات الإلكترونية للمرضى، وطبيعة السلوك البشري الذي أتاحت لنا التكنولوجيا الحديثة التعرّف إليه عن طريق المستخدمين للهواتف الذكية، والتي تشكّل منجماً غنياً من المعلومات، بحيث ترسم لنا صورة دقيقة عن السلوك الفردي للأشخاص.
ولن يكون بالإمكان تحليل هذه البيانات الضخمة والإفادة منها من دون الاستعانة بالتقدّم الهائل الذي يحصل تباعاً في مجال تكنولوجيا المعلومات، وعلم الإحصاء الذي لولاه لكانت هذه البيانات مجرد كومة خردة بائسة في مستودع مهجور.
ترى، هل سنتمكن في المستقبل من "تفصيل" علاجات للأمراض المختلفة بما يتلاءم وحالة كل مريض، عوضاً عن "تفصيل مقاس واحد يناسب الجميع"؟ دعونا ننتظر!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اوقفوا العلاج فى الكيماوي (دكتور فاروق)

    الأربعاء 22 شباط / فبراير 2017.
    السرطان اكذوبه كل ما هنالك نقص فى فيتامين ج 17