رنا الصبّاغ

بين الملقي والطراونة!

تم نشره في الأربعاء 22 شباط / فبراير 2017. 12:01 صباحاً



اضطر جلالة الملك عبدالله الثاني للتدخل مبكرا لتخفيف حدّة التوتر المتصاعد بين رئيس الوزراء د. هاني الملقي ورئيس مجلس النواب عاطف الطراونة، وسط تفاقم الاحتقان الداخلي عقب وجبة زيادة الضرائب ورفع الأسعار، والذي يتزامن مع تحدّي فك شيفرة سياسات الإدارة الأميركية تجاه المنطقة وتداعيات المتغيرات المرتقبة على الجبهة الشمالية.
وجّه الملك الرئيسين، خلال لقائه رؤساء الكتل النيابية يوم الأحد الماضي، إلى ضرورة التعاون الكامل بينهما، "ضمن أحكام الدستور الذي يحدد للحكومة الولاية العامة ويؤكد حق المجلس في الرقابة"؛ ذلك أن الجميع شركاء في تحمل المسؤولية في هذه المرحلة الصعبة التي تتطلب التركيز على الأولويات الاقتصادية، حسبما ورد في البيان الرسمي.
فآخر ما تحتاجه المملكة اليوم هو انفجار في العلاقة بين السلطتين، أو خروج المزيد من المحتجين إلى شوارع المحافظات للمطالبة برحيل الملقي وحل مجلس النواب. مثل هذا الاستعصاء يضيف أزمة جديدة إلى مسلسل التحديات المتدحرجة؛ في مقدمتها ضرورة تأمين موارد مالية جديدة من الغرب لتعويض نضوب المساعدات الخليجية، والتحضير لقمة عمان نهاية الشهر المقبل، لتجمع ما تبقّى من قادة عالم عربي متشرذم. أضف إلى قائمة التحديات محاولة فك لغز موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أفق التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حل الدولتين، ومآلات الأزمة السورية وضمان الاستقرار في الجنوب السوري، ودور الأردن في الحملة العسكرية على الإرهاب والتعاطي مع الخلايا الداعشية التي باتت تتغلغل في أحشاء المجتمع أو تهدد البلاد من الجوار السوري والعراقي.
هل نشهد انفراجا في العلاقة بين الملقي والطراونة؟
الجواب هو ربما، لكن لبعض الوقت. لماذا؟ لأن الوضع الاقتصادي والمعيشي مرشح لمزيد من التأزيم نتيجة التزام الحكومة بتنفيذ بنود اتفاق ورثته من الحكومة السابقة مع صندوق النقد الدولي حتى العام 2019، لمنع انزلاق المملكة إلى وضع مالي كارثي.
فلن تتوقف متوالية رفع الأسعار وتأثيراتها على كل ما يتعلق بحياة الناس ومستوى الخدمات، وكذلك مستوى التذمر الشعبي الذي بات يهدّد الاستقرار الاجتماعي والأمن الاقتصادي. فالرئيس يبدو اليوم كمن يمد يده داخل جيب المواطن -الذي لم يكن له دور مباشر في قفز المديونية إلى هذه الدرجة الخطرة- من دون أن يعطيه شيئا في المقابل ولو معنويا. ينتظر المواطن المسحوق أن تتحرك الحكومة بجدّية لاسترداد بعض المال المنهوب أو متابعة توصيات تقرير ديوان المحاسبة الأخير الذي كشف مخالفات مرعبة، أو مواجهة الرشوة والمحسوبيات المستشرية في القطاع العام. فالوعود التي سمعها المواطن خلال السنوات الخمس الماضية لم تفض إلى نتائج ملموسة، بل تمت لفلفة النبش النيابي لمنع زعزعة استقرار البلاد وسط إقليم ملتهب منذ 2011.
رئيس الوزراء -المعتمد بدرجة عالية على دعم مفاصل الدولة المركزية التي ما تزال تساعده على العوم حال من سبقه ومن سيلحقه– هو شخصيا في وضع لا يحسد عليه بسبب انجراف شعبيته وشعبية حكومته، بحسب استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية، ولأن فريقه السياسي والاقتصادي، بحسب آراء ساسة "غايب فيله وبطيء"، وبعيد عن نبض الشارع وغير متمرس في إدارة الأزمات أو قادر على إقناع الرأي العام برواية متماسكة لسياسة رفع الأسعار غير الشعبية أصلا، ولأن ارتفاعا "حادّا" رصد في عدد الأردنيين المتشائمين بشأن المسار الذي تسلكه البلاد، وفي عدم الرضا عن الاقتصاد، بحسب استطلاع رأي أجراه قبل أسبوعين "مركز رؤى للبحوث المسحية" (لنتخيل النتيجة لو أجري هذا الاستطلاع اليوم)، ولأن الرأي العام بات يتشكل بوسائط جديدة وسط انهيار صدقية الإعلام التقليدي أمام انتشار تطبيقات الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي، والتي باتت تمارس رقابة غير مسبوقة على أفعال الحكومة، وإن كانت غالبيتها تشحن الشارع وتمارس خداعا وابتزازا، وتعرض نصف الحقائق.
في المقابل، يبحث ممثلو الشعب عن مخارج لتبييض صفحتهم أمام الرأي العام، المطالب بحل المجلس بعد ان أقر الموازنة، ما يعني موافقة الأغلبية على رفع الأسعار لضمان زيادة الإيرادات 455 مليون دينار هذا العام، بحسب الرواية الرسمية. فالمجلس النيابي لم يعد يحتمل ما يسميه نار سياسات "الجباية"، وشعرت غالبية أعضائه "بالسخن"، بخاصة عقب رفع أسعار مشتقات النفط الأخير، رغم أن الحكومة وعدتهم بالتشاور مع المجلس قبل زيادة أسعار أي سلعة. كما يشكو نواب -مثل الطراونة– من أن الحكومة ضربت عرض الحائط بأفكار قدمت لها "لكي لا تطال يدها جيب المواطن". وكان يفترض أيضا تكثيف التواصل بين الحكومة ولجنة متابعة تعديل الأسعار النيابية. لذلك تعمقت انطباعات بأن الحكومة تتغول على مجلس النواب منذ اليوم الأول.
ويتحرك بعض النواب الآن لكسب شعبية من خلال شتم الحكومة أو المطالبة برحيلها. كما يتحدث آخرون بتعال مع وزراء تحت القبة مثل "أقعد يا ولد". ويتعامل المجلس مع الملقي، بحسب نواب، بـ"نديّة عالية"، ربما لأسباب شخصية بخلاف تعامله مع الرئيس الأسبق د. عبدالله النسور، المعروف بدهائه السياسي وقدرته على المناورة.
يتسابق نواب اليوم لمنع تكرار تجربة المجلس السابق الذي خسر شعبيته بسرعة نتيجة هيمنة الحكومة وفق معادلة تبادل المنافع والعطايا. هذا يعني أنه سيقف للحكومة بالمرصاد في كل صغيرة وكبيرة سعيا للظهور بأنه مجلس تشريعي مستقل لا يخشى الحكومة. بل لا يتورع نواب عن ممارسة دور "ضابط إيقاع"، ويضعون شروطا قد تعرقل عمل الحكومة التي لم تفعل ما يكفي لإعادة الحرمة إلى المال العام.
إذا، الارتباك في المشهد الحكومي حيال وجبة رفع الأسعار وإقناع الرأي العام بتناول "العلقم" لعلاج الاقتصاد بعد ثلاث سنوات من الآن، يقابله ارتباك في المشهد النيابي، حيث تفتقر ست كتل نيابية للفاعلية على الأرض. وهي غير قادرة على توفير أي بديل مقنع لأزمة الاقتصاد؛ هَمّ الأردنيين الأول وأساس مشاكلهم. كما أن الشخصنة والانفعالية في التعامل مع الآخر تبقى من طبائع ساسة الأردن، بدلا من التفكير بتسويات في منتصف الطريق.
أمام المجلس الآن إما التقوقع والتغاضي عن سياسات رفع الأسعار الحالية والمقبلة، أو محاولة حجب الثقة. الخيار الأول سيعمق النظرة السلبية إلى مجلس النواب، ولهذا كلف كبيرة على الدولة. أما الثاني، فمحفوف بالمخاطر إلا إذا كانت النتيجة مضمونة. فلو استطاعت الحكومة قلب الطاولة على رؤوس النواب المشاكسين وتجديد الثقة بها، ستخرج أقوى في مواجهة البرلمان والشارع. والخيار الثالث يتمثل بجلوس الحكومة (خصوصا الوزراء المعنيين بالملف الاقتصادي) مع أقطاب المجلس لرسم توافق حول ماذا تحتاج الحكومة من إيرادات لإنقاذ موازنات الأعوام الثلاثة المقبلة ضمن برنامج الصندوق، ومن أين ستأتي بهذه الإيرادات كي توقف سياسة رفع الأسعار على "الطايح والرايح"، وما هي مستويات الإنفاق المتوقعة كل عام، ومن الفئات الأكثر تضررا والأقل تضررا من تطبيق سياسات جمع الإيرادات؟
أما الشعب المستنزف، فينتظر من الحكومة إجابات شافية عن تفاصيل إعادة هيكلة الاقتصاد وإنعاشه حتى لا يتدحرج حراكه في الشارع إذا استمر شعور المواطن بالتهميش وبأنه كبش فداء السياسات المغلوطة. فهو غيّب أصلا عن الاتفاق المبرم مع صندوق النقد الدولي. ومن حق المواطن أن يرى نورا في نهاية النفق الاقتصادي والمعيشي المظلم. فكم من حكومة وعدتنا منذ العام 1989 بأن سياسات الإصلاح ستقودنا إلى دفن العجز في الموازنة، وإنعاش القطاع الخاص-محرك النمو الاقتصادي- على غرار النموذج السنغافوري، لكن هذه الوعود لم تثمر، بل ازداد وضعنا سواء؟
نأمل أن تطغى العقلانية على موقفي رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ المليئة بنقاط الضعف. فتغيير د. الملقي لن يغير الحال في ظل فشل تجربة الحكومات البرلمانية واستمرار آلية اختيار الرئيس ووزرائه، أو التحايل على وصفات صندوق النقد بعد أن اصطدمنا بحائط مسدود. كما أن حل المجلس لن يفيد لأن قانون الانتخاب لن يأتي بمجلس أفضل.

التعليق