فهد الخيطان

"إن شاء الله استفدت"

تم نشره في الأربعاء 22 شباط / فبراير 2017. 12:09 صباحاً

قبل أن يتاح للعرض في دور السينما، قررت هيئة الإعلام عدم إجازة فيلم "إن شاء الله استفدت"، للمخرج الأردني محمود مساد، بدعوى الإساءة لهيبة الدولة!
الفيلم حسب ما أعلن، ينتمي لسينما الكوميديا السوداء، ويرصد من خلال قصة مقاول يدخل السجن، البيروقراطية وانعدام الكفاءة في المؤسسات الرسمية والمجتمع.
الهيئة اشترطت شطب عشرات المشاهد، والمخرج رفض ذلك لأن الشطب يضر بالقيمة الفنية للعمل، ويجعله بلا معنى.
شطب المشاهد من الأفلام هو تقليد تلفزيوني وسينمائي عريق في الأردن وعموم الدول العربية. منذ سنوات قليلة فقط، أمكننا أحيانا تجاوز هذه العقدة بتطبيق مبدأ قائم منذ عقود في الدول المتقدمة، والقاضي بوضع تحذير على المادة الفيلمية لمن هم دون سن الثامنة عشرة، وأحيانا دون 15 سنة، لتنبيه العائلات إلى عدم ملاءمة الفيلم للأطفال والمراهقين.
قبل ذلك كان التقطيع هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة على الممنوع؛ سواء كان جنسيا أو سياسيا، لدرجة أن عشرات الأفلام التي شاهدناها في صغرنا كانت بنصف مدتها، وينتهي الفيلم ونكاد لا نفهم شيئا من قصته.
ثبت حديثا أن هذا التقليد ما يزال قائما، في وقت صار فيه المنع أمرا مضحكا. ماذا يعني منع فيلم المخرج مساد من العرض في دور السينما؟ كان يمكن لبضعة مئات من الأشخاص أن يشاهدوه؛ فالإقبال على صالات العرض تراجع بشكل كبير، إلا في حالات نادرة. الأغلبية الساحقة من هواة الأفلام السينمائية يفضلون مشاهدتها في بيوتهم، بتكلفة زهيدة، من خلال جهاز لا تزيد قيمته على خمسين دينارا.
وهناك الملايين الذين يمكنهم مشاهدة ما يخطر على البال من أفلام مسموحة وممنوعة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.
لا قيمة ولا معنى في عالم اليوم لمنع فيلم أو كتاب أو محاضرة. أستطيع من منزلي أن أقول ما أرغب في محاضرة إلكترونية، وبثها على الفور لملايين المتابعين على الشبكة العنكبوتية.
وبلمسة أصبع، يستطيع من يشاء أن يشاهد الفيلم الممنوع أخيرا، ربما بدافع الفضول أيضا لمعرفة السبب وراء منع عرضه في دور السينما.
أفهم أن الدول في كل العالم ستبقى تكافح لفرض سلطة قوانينها. لكن فيما خص قضايا النشر والفن والثقافة، يتعين علينا جميعا أن نفكر برفع الراية البيضاء. ليست هناك فرصة للفوز في معركة الإنترنت، فقد تغلبت الخيوط الإلكترونية الدقيقة على كل خطوط الدفاع والحدود الجغرافية، والسلطة المعنوية للدول.
وفي مجالات الدراما والسينما، بات من الضروري مراجعة بعض "التابوهات" الأردنية؛ كعدم التعرض بالسخرية أو النقد للموظف العمومي. لأن من غير المعقول أبدا أن يكون نقد رئيس الوزراء متاحا في المسرح بالمستوى الذي نشاهده سنويا في شهر رمضان، بينما لا يتجرأ عمل فني على التعرض بالنقد لرجل أمن في الشارع أو طبيب في مستشفى حكومي أو محامٍ "نصاب".
ثقافة المنع سقطت في كل مكان في العالم، ونحن ما نزال نشهر سيوفنا في وجه فنانة عبرت بكلام عابر على "فيسبوك" فنسقط عنها هويتها الفنية، ونقصقص عملا سينمائيا كأنما نفصّل فستانا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كان زمان (غالب الدقم حواتمه)

    الأربعاء 22 شباط / فبراير 2017.
    عصر المنع ومقص الرقيب الذي كان سائدا في منذ الخمسينات منذ ايام القرن الماضي انتهى بوجود الفضائيات والانترنت فالان تبث الافلام كامله على بعض القنوات مقابل اشتراك وهناك الالاف من الافلام المختلفه متاحه مجانا للتنزيل والمشاهده على مواقع النت ومنها اليوتيوب والتورنت وبالتالي فما على اي دوله تريد اشهار فلم او كتاب الا منعه ليتسابق على مشاهدته وقراءته كل الناس
  • »لا تفسير سوى أن الرقابة أصبحت ادمان (بسمة الهندي)

    الأربعاء 22 شباط / فبراير 2017.
    صديق مثقف أردني، بعيد عن الأضواء، قبل أكثر من خمس عشرة سنة أراد أن ينشر كتاب فقالوا له أنه بحاجة إلى أن توافق عليه دائرة المطبوعات حينها، فرفض صديقنا الفكرة من الناحية المبدأية رغم أن ليس هناك بالكتاب ما يمكن أن يزعج حتى دائرة المطبوعات، فطبع الكتاب في دولة عربية وزاد عدد النسخ إلى الضعفين وعندما نفذت النسخ وضع نص الكتاب على موقع أحد المؤسسات الدولية على هيئة ملف pdf مجانا لمن يرغب بتنزيله.
    طبعا سجل الكتاب على أنه من انتاج كتب الدولة العربية التي طبع فيها رغم انه وجد طريقه إلى معظم الدول العربية – بالمناسبة الكتاب اعتبر وما زال في العالم العربي مرجع في مجاله.
    عودة إلى الفيلم، لم أسمع عن الفيلم من قبل وبعد ما قرأت المقال رحت وشفت مجموعة مقابلات مع المخرج "هذا الفيلم بتحس من كل قلب عملتو للبلد لنعالج قضايانا"، وملخص عن الفيلم وصار عندي رغبة احضره – أكيد راح احضره. ما أثار انتباهي هو معاناة المخرج ليجمع تمويل للفيلم كي يرى النور.
    هناك من لم يستوعب إلى اليوم معنى الموجة الثالثة للثورة الصناعية وتأثيرها ونحن دخلنا في الموجة الرابعة للثورة الصناعية.