د.أحمد جميل عزم

في الخليل مواجهة بالزهرة البلدية

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2017. 01:07 صباحاً

عندما استُشهد عبدالفتاح الشريف على يد الجندي الصهيوني إليئور أزاريا، ربيع العام الماضي -والذي حكمت عليه محكمة إسرائيلية هذا الأسبوع بالسجن 18 شهراً مقابل القتل (لو كان القاتل عربيا والقتيل إسرائيليا، لحكم عليه بخمسة وعشرين عاما)، وحكم بسنة مع وقف التنفيذ، وهو ما تزعم صحف إسرائيلية أنّه يعني إذا قتل أزاريا فلسطينياً آخر سيكون حكمه عاماً واحداً- حينها سُمع في الشريط الذي سجله عماد أبو شمسية، والذي ينكل المستوطنون به منذ ذلك الحين، أو بالأحرى منذ ما قبل ذلك، بسبب نشاطه في توثيق جرائمهم، صهيونيا يعرفه الفلسطينيون تماماً، هو عوفر يوحنا، يصرخ بالعبرية "الكلب عايش"، وبعده جاء القاتل وأطلق الرصاص.
اليوم الجمعة هو موعد مسيرة شباب ضد الاستيطان. وقوى في الخليل وقوى التضامن الفلسطينية والعالمية، السنوية، تتحرك لفتح شارع الشهدا، الذي أقفله الاحتلال عقاباً للفلسطينيين على الجريمة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين ضدهم عندما دخل الحرم الإبراهيمي مع صلاة الفجر، العام 1994، وقتل 29 فلسطينيا وجرح 125 آخرين. فبدل إجلاء المستوطنين، أُغلق الجزء الأكبر من الشارع أمام الفلسطينيين وطُردت أغلبية أهله، واستكمل إغلاقه العام 2000. وهذا الأسبوع استطاع الشبان الفلسطينيون وأصدقاؤهم بقيادة المهندس عيسى عمرو، القيادي في المواجهة الميدانية، الدخول للشارع المغلق عبر أزقة وممرات يعرفونها لأنهم "أهل البلد"، كما يقولون. ولكنّ أهم ما حملوه معهم للاحتجاج هو صناديق خضار، وخصوصاً الزهرة البلدية، والصراخ كما لو فُتحت السوق ثانية: "الزهرة بشيكل.. بس بشيكل" (الشيكل أقل من 20 قرشا أردنيا).
يعمل عوفر يوحنا ضمن أجهزة الإسعاف الإسرائيلية، سائق سيارة إسعاف، كما يدير مقهى (كوفي شوب) في بناية جرى الاستيلاء عليها من عائلة الرجبي الفلسطينية، وهو مصور صحفي مع بعض وسائل الإعلام، وغير ذلك، فضلا عن الاعتقاد أنه يتقاضى راتبا من الحكومة الإسرائيلية مقابل تعاونه معهم. وهو يعرف عيسى، وعيسى يعرفه جيدا. وعوفر يسعى قدر استطاعته دائماً إلى إعاقة وصول الإسعاف للفلسطينيين، ويقدم غطاءً يحتاجه الجنود عندما يصرخ أنّ فلسطينيا ما يحمل حزاما ناسفا أو سكينا، حتى يصبح هذا مبررا للقتل. وأهل الخليل رأوا عوفر يحرض ويعيق الوصول للشهيدين هديل الهشلمون وسعد الأطرش، وغيرهما؛ وحقق مع الشهيدة ياسمين التميمي وهي تستشهد، متروكة تنزف والجيش يمنع الناس من الوصول إليها، والفلسطينيون يصرخون أنها على قيد الحياة والجنود يصرخون أنها ماتت، والفيديو يفضح الحقيقة.
لا يقتصر الإغلاق في الخليل على شارع أو مكان؛ فمثلا مدرسة قرطبة تقع مقابل مبنى استولى المستوطنون عليه وحولوه إلى مدرسة (بيت هداسا). وحتى تتفادى إدارة "قرطبة" الصدام اليومي، قررت أن تجعل الدوام يبدأ في السابعة والنصف صباحاً قبل قدوم الإسرائيليين، كما انتهاء الدوام الساعة الواحدة والنصف، قبل نهاية دوامهم أيضاً. لكن الاحتلال أغلق الآن الدرج المؤدي للمدرسة سوى في ساعة الصباح والمساء عند بداية ونهاية الدوام، فيبقى الأطفال في المواجهة وحدهم.
عندما وقف عيسى وأصدقاؤه ينادون على بضاعتهم من الخضار، لم يكن يوجد من يستطيع الشراء (الحصول عليها مجانا)؛ فالشارع مغلق أمام الفلسطينيين، سوى من عائلات قليلة بقيت هناك بشروط وقيود عديدة، لكن عوفر جاء. وبلغة عربية تقلد اللهجة الخليلية تحرش بهم وهو يصورهم: "كيفك؟ شو بتبيع .. خضرا اليوم". ردوا عليه كمن ينادي على بضائعهم: "خضرا لعلاج المجانين.. لعلاج الهبايل.. الزهر بخليه يفهم". ويرد فلسطيني: "على الفاضي" (لن يجدي مع جنونه)، فيرد آخر: "محلا الزهر لما ينخبط بالراس.. للعقل اليابس". ويذهب عوفر، وأثناء هذه المشادة كانت التلفونات تأتي لعيسى مازحة متضامنة -من بقية الخلايلة الذين لا يستطيعون الوصول، ولكنهم يشاهدون المشهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي- بأنهم يريدون شراء خضار بهذه الأسعار الممتازة.
جرت وستجري في الأيام المقبلة حملة التضامن مع شارع الشهدا المغلق أمام العرب في الخليل. وتجري حملات مؤازرة في مدن عدة في بريطانيا، ويضحك الشبان لصورة أصدقائهم المشاركين في حملة هولندا "أكلو جبنة هولندية وتحمسوا"، ثم يقولون: "أبدع الشباب في الدنمارك"، وهناك روما ونابولي في إيطاليا، وألمانيا، وأتلانتا في الولايات المتحدة، وتظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن، وغيرها الكثير.
كل حملات التضامن هناك في الغرب... فقط هناك!

التعليق