عيسى الشعيبي

المواطن جمل المحامل

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2017. 01:04 صباحاً

كان لافتاً للانتباه، ومثيراً لشتى الانطباعات، ذلك الإعلان الذي نشرته الحكومة (وزارة الصناعة والتجارة) على الصفحات الأولى للصحف المحلية قبل أيام، بحجم نصف صفحة، حول استثناء 70 سلعة غذائية من زيادة ضريبة المبيعات، وتعهدها عدم المس بأسعار قائمة أخرى من المواد الأساسية، فضلاً عن تشديد الرقابة على الأسواق، وتعزيز حماية المستهلك بفرق رقابة ومتابعة صباحية ومسائية على التجار.
لعل في مقدمة هذه الانطباعات أن الحكومة الواقعة تحت ضغط الرأي العام، تشعر بوطأة التذمر المتزايد بين الناس، وتداري الحرج، ولا سيما بعد وجبة رفع الأسعار الأخيرة، وما رافقها من مظاهر احتجاج، وأنها في موقف دفاعي لا تحسد عليه، تود الخروج منه بأقل الأضرار.
قد تكون هذه هي المرة الأولى التي تبادر فيها الحكومة إلى توضيح نفسها بنفسها مباشرة، وبيان حالها للمواطنين من دون وسطاء، بعد أن وجدت أن رسائلها أمام النواب لم تصل إلى المخاطبين بها. كما إن هذا الإعلان المدفوع هو سابقة غير مسبوقة في التواصل مع الجمهور الغاضب، لجأ إليه صاحب الولاية العامة لاسترداد الثقة المتزعزعة، بعد أن ضجت أعمدة الكتاب ومنابر التواصل الاجتماعي بالشكوى إزاء تفاقم الأوضاع.
وما كان لهذا الإعلان، بما اشتمل عليه من التزامات وتعهدات، أن يصدر في زمن مضى، حين كانت الحكومات ترفع الأسعار (تحت اسم التعديل) من غير مساءلة، لا من البرلمان ولا من الرأي العام، وما كان له أيضاً ان يرى النور قبل انفجار ثورة المعرفة والاتصالات الرقمية، حين كان التذمر همساً حبيساً بين اثنين، وليس هناك وسائل اعلام مستقلة تتولى رفعه بأعلى الصوت كما هو اليوم.
على أي حال، فإن شرح الحكومة لنفسها بكل هذه الصراحة والتواضع، أمر حميد من دون ريب، يحسب لها؛ إذ أقرت بهذا الاعلان ضمنياً بأحقية الشكوى من الضرائب وجنون الأسعار، من غير أن تشرح بما فيه الكفاية تعهداتها المقابلة لصندوق النقد الدولي بتطبيق برنامج التصحيح، وكيفية تنفيذ التزامها المكتوب بخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الاجمالي، بما يزيد على عشرين بالمائة خلال ثلاثة أعوام.
ومع الثناء على هذه البادرة الحسنة من جانب الحكومة، إلا أنها ليست كافية، وقد لا تصمد أمام الاختبار، كونها أقل مما هو مطلوب بالفعل لإرضاء المواطن، وهي غاية لا تدرك على الإطلاق، حتى لو تم تخفيض الأسعار إلى ما كانت عليه قبل عامين. فالشكوى من الغلاء ليست بنت اليوم أو الأمس القريب، بل هي شكوى قديمة قدم صك النقود، ففي الذاكرة الحية كانت هذه الشكوى حاضرة في كل مكان وزمان.
ولا أحسب أن التزام الحكومة بضبط الأسعار أمر من شأنه أن يهدئ من روع المواطن، وأن يجعل الناس تتنفس الصعداء. ذلك أن هذه الشكوى إزاء ما اصطلح على تسميته بـ"الجباية"، هي الجزء الطافي من جبل الجليد، أما الكتلة الغاطسة فهي الاحتجاج المتصاعد وغير المكتوم على الفساد وهدر المال العام، والغضب على الفاسدين الكبار، هؤلاء الذين يهزون الثقة بالحكومات، ويبددون قدرة جمل المحامل على تحمل مصاعب الحياة.
ذلك أن الفساد ليس مجرد رشوة، أو استغلال وظيفة، أو تحقيق منفعة شخصية بطرق غير مشروعة، وإنما هو أكثر من ذلك بكثير، فهو الطريق المفضية الى التهديد للأمن والسلم الاجتماعي، وهو رافعة الشعور بالظلم والإجحاف، ناهيك عن التمييز. كما إن الفساد يعطل نفاذ سلطة القانون، ويقوض المؤسسات، ويحمي الاحتكارات، وغير ذلك من عواقب وخيمة.
في واقع الأمر، لا تشكل المواد الغذائية سوى نسبة متواضعة من سلة استهلاك المواطن متوسط الحال، قياساً بوزن نفقات التعليم والصحة والمواصلات وغيرها، الأمر الذي يمكن معه تحمل زيادة أسعار الأكل والشراب عن طيب خاطر، لو أن المواطن يرى بأم عينه حزماً علنياً في محاربة الفساد، وإرادة قوية في محاسبة الفاسدين.

التعليق