محمد أبو رمان

اعتراف!

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2017. 12:10 صباحاً

يحمل كتاب "اعتراف"، للأديب الروسي المعروف ليو تولستوي، تضاريس تجربته الروحية والفكرية في مجال الدين والعقيدة والإيمان. وكان كتبه في العام 1879 (لكن السلطات الروسية منعته في حينها)، أي في بداية دخوله عقد الخمسينيات، وإن كانت مرحلة الحيرة التي يعترف أنّه دخل فيها، وأرهقته روحياً وعقلياً، وجعلته في حالة اضطراب وفوضى بدأت قبل تأليف الكتاب بخمسة أعوام (أي في منتصف الأربعينيات من عمره).
تولستوي من النبلاء في روسيا؛ ورث عن والده أملاكاً كثيرة، وعاش حياة مترفة. لم يكمل دراسته الجامعية، لكنّه تفرغ للتأليف والكتابة بعد عودته من الحرب في القوقاز والقرم، واشتهر في مجال التأليف، وتعرّف على أوساط الأدباء والشعراء والمثقفين في رحلته إلى أوروبا. ثم عاد إلى روسيا، وأسس مدرسة لتعليم الفقراء وتدريسهم (يتحدث عنها في الكتاب).
الكتاب يلخّص الحيرة الشديدة التي أصابته، جرّاء الأسئلة الوجودية التي أصبحت تمثّل هاجسه الرئيس، عن الحياة والموت وفلسفة الحياة ومعناها وقيمتها، وإشكالية الدين والفلسفة والعلم في محاولة الإجابة عن تلك الأسئلة.
لم تكن القصة بالنسبة لتولستوي مجرّد أسئلة معرفية لغايات التأليف أو الثقافة أو الإضافة المعرفية، بل شكّلت المحور الرئيس الذي أصبحت حياته تدور حولها. ومن الواضح أنّ تفكيره في الموت والنهاية استولى عليه تماماً خلال تلك الفترة.
ينقلنا تولستوي عبر الكتاب بطريقته السلسة الممتعة في تفاصيل تلك التجربة الروحية الشيّقة المتعبة، ليبدأ الحديث عن طفولته وتمرّده منذ سن الخامسة عشرة على الكنسية الأرثوذكسية والتعاليم الكنسية، على النقيض من شقيقه الذي بقي مؤمناً ملتزماً حتى مماته.
ويعترف تولستوي أنّ هدفه الرئيس يتمثّل في "السعي نحو الاكتمال الأدبي"، الذي يلخصه بحب الشهرة والقوة والاحترام في المجتمع. وأصبح ينغمس أكثر في أهوائه ورغباته وشهواته الذاتية. ويتحدث عن نفسه بأنّه قتل الكثيرين في الحرب، ولعب القمار وعاشر العاهرات، وكان في ذروة حياة البذخ.
انغمس في أجواء الشعراء والأدباء وتبنّى عقيدتهم التي تقوم على نظرية "التقدم البشري"؛ أي إنّ المعرفة البشرية في مرحلة التطوّر، والأدباء ينشرونها ويعلمونها للناس، ويسيرون نحو تكريس المدنية والعلوم الطبيعية، لكنّهم لا يعرفون نهاية ذلك، ولا يملكون جواباً حقيقياً عن الحياة والموت. إلا أن تولستوي عاد وانتقد هذه الطبقة وغرورها وشعورها بالتمايز عن الطبقات العامة من الفقراء والفلاحين.
تطوّرت الأزمة الروحية لديه، ودخل في عمق الأسئلة الوجودية، وأخذ ينهل من الكتب المعرفية الرئيسة. ودرس أهم الآراء والإجابات عن هذه الأسئلة، فوجد أنّ العلوم الطبيعية تتحدث عن الحياة التي تتشكل من ذرات، من دون تقديم إجابات مقنعة، وكُتب الفلاسفة التي يفترض أنّها متخصصة في هذا المجال، لكنّها في النهاية لا تحمل أجوبة عميقة، بل درس أهم الفلاسفة اليونانيين والهنود، ووصل إلى نتيجة أنّهم ينظرون إلى الحياة بوصفها شرّاً من المهم أن يحاول الإنسان الانتهاء منه!
وصل تولستوي بعد ذلك إلى قناعة بأنّ العقل وحده غير قادر على الإجابة عن هذه الأسئلة الكونية والوجودية، ووصل به حواره الداخلي والعصف الفكري الجدلي الداخلي إلى العودة إلى الكنيسة. لكنّه اصطدم بالتباس الإيمان الفطري بتعاليم غير مقنعة، حاول أن يتجاهلها، لكنّه لم يستطع الصبر والصمود والتحايل على موقفه السلبي من رجال الكنيسة.
ينتهي بنا تولستوي في كتابه إلى نتيجة أنّ الإيمان الحقيقي يقوم على وجود خالق للكون، وأقرب إلى الإيمان الفطري، ويمهّد لكتابيه الآخرين اللذين يشيران إلى ماهية هذا الإيمان وهما "انجيل تولستوي" و"ديانة تولستوي".
هي رحلة روحية لا تقتصر عليه، تذكرنا بكتاب الغزالي "المنقذ من الضلال"، الذي وصل من خلاله إلى الصوفية الروحانية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المزيد (لميس)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2017.
    حبَّذا لو تكتب اكثر في هذا الموضوع. شكرًا للمقال
  • »كلمة (خالد أبو الهيجاء)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2017.
    نعم. مقالة جيدة. هذه هي البداية. لعل عامة الشباب عندنا لا يعرفون تولستوي، أو لا يعرفون منه أكثر من اسمه. هذه هي المقالة الثقافية. لكن الكاتب ينبغي أن يعمّق قراءاته في الأدب لتَمتُن لغته ويحلوَ بيانه.