جميل النمري

مركز وطني للمناهج

تم نشره في الاثنين 27 شباط / فبراير 2017. 01:07 صباحاً

أصدرت كتلة الإصلاح النيابية موقفا يدعو، أولا، إلى التراجع عن تعديلات المناهج والعودة إلى ما كانت عليه قبلا؛ وثانيا، رفض مشروع المركز الوطني للمناهج وإبقاء القرار محصورا بوزارة التربية والتعليم. والموقف من القضيتين منسجم بهذه الطريقة، ويضع الكتلة (جبهة العمل الإسلامي وحلفاءها) في خندق مناهضة الإصلاح، بعكس اسمها. إنها تأخذ موقفا محافظا، لا بل موقفا رجعيا إذا أردنا الدقة، في موضوع التعليم، وهذا ما لا يمكن الرضوخ له؛ فنحن أصلا متخلفون كثيرا عن الركب، ونواجه تحدي التسريع في عملية التحديث، حتى نرى من يريدنا أن ننكص أكثر إلى الوراء.
النهوض بالتعليم معركة شاملة، لها أوجه ومستويات عدة، من بينها المناهج. لكن هذا البعد بالذات أبعد وأشمل من أن يترك القرار فيه لبيروقراطية الوزارة. لقد تراجع التعليم إلى مستويات مقلقة، ومئات المدارس لا ينجح فيها أحد ويصل كثيرون إلى مرحلة الثانوية أميين لا يجيدون حتى القراءة والكتابة، ناهيك عن مستوى التأهيل المعرفي المناسب لعصر المعلوماتية. وقلة من المدارس تتمتع بالبيئة التعليمية والمستوى الجيد لتأهيل الطلبة، وأصبحت لدينا فجوة خطرة في المستويات بين المدارس العامة ومدارس النخبة، بين المركز والأطراف. وتزايد السكان كثيرا، ولم تزد الموارد بالنسبة نفسها. وكثير من الأبنية والبنى التحتية في وضع رث. والمعلمون في وضع رث أيضا، ويحتاجون إلى الدعم والرعاية ورفع مستوى التأهيل. وقال لي صديق نائب إنه زار مدرسة مكتظة وقرر أن يأخذ صورة لصف في المرحلة الابتدائية لتوثيق حالة الغرفة الصفية والازدحام فيها، لكن المعلمة منعته. وعندما سألها عن السبب، توجهت للصف وسألتهم: ماذا قلنا عن التصوير؟ فجاء الرد جماعيا من الصغار: حراااام!
إن البدن ليقشعر حين نفكر أن صغارنا يُحقنون بهذه الثقافة وهذه المفاهيم في زمن الانفجار المعرفي والتكنولوجي، حيث يجب استنفار المدارك بأقصى ما يمكن لاستقبال التقدم في كل المجالات وتنمية العقول وتسليحها بالوعي العلمي والتفكير النقدي إزاء كل ما يفيض عليها من مصادر شتى لا يمكن مواجهتها إلا بالتنوير الفكري وتقوية القدرات في التحليل والمقارنة والتمييز. لكن الأوساط المعادية للإصلاح والتقدم تقول صراحة إنها تريد بقاء المناهج السابقة؛ المناهج كما قام بتعديلها التيار الإخواني في أيام سلطته في التربية وسطوته على التعليم، مكرسا رؤية أيديولوجية سلفية تلقينية منحازة، تجدها في كل المقررات نقيضا للمفهوم العصري الذي يقوم على التمكين العقلي غير المنحاز في التعامل مع سوق الأفكار والمفاهيم. وخذ كم من الظلامية والعنف يشي به أسلوب "حرق" الكتب أمام المدرسة بمشاركة الطلبة. وقد نال الرجل الصالح وزير التربية والتعليم السابق د.محمد الذنيبات ما ناله عندما اقترب بالإصلاح من المناهج، ولو بتعديلات طفيفة، بعد أن حقق إنجازات لافتة في مجالات أخرى، على رأسها القضاء على الغش في الامتحانات.
طبعا هم يريدون بقاء المناهج في الوزارة حيث يمكن الاستقواء على الحكومة وتخويفها، وحيث ما تزال البيئة المتحجرة موجودة ومؤثرة. ونحن بقوة مع وجود مركز وطني للمناهج، لأنها قضية تخص الوطن كله، وترسم مستقبله ومصير الأجيال، ويجب أن تدار في إطار وطني تشارك فيه كل الأوساط والخبرات. والمشروع ليس جديدا بالمناسبة، وقد ورد في الاستراتيجية الوطنية للتعليم، وفي الاستراتيجية الوطنية للموارد البشرية. ويستحسن أن تقود المشروع جهة محايدة دائمة أعلى من الحكومات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »في الصميم (اسعد)

    الاثنين 27 شباط / فبراير 2017.
    مقال يغني عن كثير من الكلام , تعليم ينحدر ومجتمع لا ينهض , ومجرب لا تجرب ..كفى ولنعقد العزم على المضي في رحاب المستقبل
  • »"اعادة التوازن " (يوسف صافي)

    الاثنين 27 شباط / فبراير 2017.
    خلاصة ما ذيلت به مقالك استاذ جميل حول تشكيل لجنة محايدة دال على صراع مابين التيّارت والأحزاب بكل اتجاهاتها وهذا ما اشرنا اليه وصفا "بسياسة راس روس وكل واحد بدو على راسه ريشه " وحتى نجعل الطريق سهل لقبول الحيادية لابد من استفزاز الجانب الخير والبعد عن تقييم الغير والحكم الإضطرادي المبني على الهوى الفكري والحزبي وتغايره مع الغير ؟؟ وكما افضت نقدا للتيار الإسلامي نجده ايضا نقدا منهم للتيّارات الأخرى ؟؟ولايمكن ولاقدرة ل احد ان يقصي (ضم الياء)الآخر(والوطن للجميع) ؟؟ وهذا حقيقة مرض الساحة بكل مكنوناتها من سياسة واقتصاد واجتماع واعلام وتربية وتعليم ومنظمات مجتمع مدني والخ.. الا وهو صراع المعايير مولد العنف والصراع اي بمعنى عدم موائمة الطروحات "ومنظومة المعرفة المجتمعية "التي اعمدتها الثقافة والقيم والعادات والتقليد واساسها العقيدة" وجل الأسباب الوافد الينا دون استئذان وفلترة وتمحيص والأنكى المملى علينا من قوانين ومنظمات تحت مسميات ومصطلحات مزركشة باطنها السم والدسم ناهيك عن التبعية والتقليد الذي جض مضاجعنا "جهلا واو تبعية"؟؟ وكل مخرجات هذا وذاك غير متوائمة ومنظومة المعرفة المجتمعية ؟؟؟ومع الثناء على اقتراحكم بتشكيل اللجنة الحيادية من ذوي الخبرة والإختصاص لابد ان يكون الفيصل والناظم هو المتوائم ومنظومة المعرفة المجتمعية من قيم وثقافة وعادات وتقاليد وعقيدة حتى يتم البناء على قاعدة متزنة ومستقرّه نقتطف من ثمار الغير مايناسبنا ولاندع لقوى الشد العكسي من كل التيّارات ان توقف مسيرة التعليم والتطور وكيف لا ونحن امة "اقرا بأسم ربك الي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم"