د. جاسم الشمري

مبادرات بلا أرواح!

تم نشره في الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2017. 01:06 صباحاً

يبدو قدر العراق اليوم أن يكون ساحة للمناحرات العسكرية والفكرية والسياسية والاجتماعية؛ لهذا صرنا ننام ونصحو على مبادرة لحل المعضلة العراقية من هذا الطرف أو ذاك، وكأننا أمام مهرجان للمبادرات. وتاريخياً، أُطلقت عشرات المبادرات من أركان العملية السياسية. ومحاولة إحصائها بحاجة إلى عشرات المقالات، لكن نجتهد لحصر أهمها.
أولى أهم المبادرات، مبادرة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي أعلن في منتصف 2006 عن مبادرة الحوار الوطني "المدعومة أميركياً"، وتضمنت أربعة وعشرين بنداً، منها "جدولة انسحاب القوات الأجنبية، وإصدار عفو عن المعتقلين غير المتورطين بالإرهاب، وتشكيل اللجان اللازمة لإطلاق سراح الأبرياء بالسرعة الممكنة، ومنع انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبة المسؤولين عنها" وغيرها. وحينما انتهت سنوات المالكي كان العراق عبارة عن رقعة ممزقة، مقسماً أمنياً وسياسياً وربما حتى اجتماعياً.
في أيار (مايو) 2016، أطلق رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي مبادرته التي تضمنت "تشكيل حكومة إنقاذ وطني لا تزيد مدتها عن سنة ونصف السنة، وتعبئة الشعب ضد التطرف، وحل المفوضية المستقلة للانتخابات الحالية"، وغير ذلك. ومن يومها غابت المبادرة في دهاليز الخلافات.
وفي نيسان (أبريل) الماضي، أطلق عمار الحكيم؛ زعيم التحالف الوطني، مبادرة إنقاذ أخرى تضمنت في مسارها الأول "التعامل مع الوضع الراهن بواقعية، وترتيب الأولويات والاستمرار بتشكيل حكومة التكنوقراط وتمثيل المكونات الأساسية المشاركة في الحكومة". ومن يومها والمبادرة تدور في دوامة الروتين والتسويف والمماطلة.
ويوم الاثنين الماضي، أطلق مقتدى الصدر مبادرة خاصة لعراق ما بعد الموصل. تطرق فيها إلى الوضع الإنساني في مناطق القتال، وضرورة التحقيق في أسباب سقوط الموصل بيد "داعش" في حزيران (يونيو) 2014، في إشارة واضحة إلى غريم التيار الصدري نوري المالكي، وبما يؤكد الخلافات العميقة بين الطرفين.
وأكدت مبادرة الصدر على واحدة من أهم إشكاليات الخراب، والمتعلقة بوفرة السلاح خارج إطار القانون، فطالب الصدر "بجمع السلاح وتسليمه للدولة".
مبادرة الصدر لم تتضمن أي إدانة لجرائم "الحشد الشعبي" التي أكدتها بعض المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية، بل على خلاف ذلك تماماً دعت إلى"الحفاظ على هيبة الجهاد والمقاومة، والسعي الحثيث لدمج العناصر المنضبطة في الحشد الشعبي مع القوات الأمنية". وهذه إشادة كبيرة بالحشد المتهم بجرائم كبيرة في المناطق التي شهدت قتالاً مع "داعش" وفقاً لشهادات منظمات محايدة محلية ودولية، وكذلك تغطية على الجرائم التي ارتكبها بعض عناصر الحشد، وكان ينبغي -على الأقل- الإشارة إلى تقديم المتهمين منهم لمحاكم عادلة.
المبادرة لم تتطرق بتاتاً لإيران، وإنما طالبت بإنهاء التواجد التركي، وربما وضعت إيران ضمن فقرة التواجد الأجنبي. وهذا فيه إجحاف، بسبب الدور التخريبي الكبير الذي تلعبه إيران منذ سنوات في الشارع العراقي والمشهد السياسي على حد سواء.
وكغيرها من المبادرات، طالب الصدريون بفتح حوار شامل للمصالحة الوطنية، على ألا يكون الحوار محدداً بالطبقة السياسية، بل يكون حواراً للمصالحة الشعبية والوطنية يشمل جميع الأديان والتوجهات، ويستثنى منها "حزب البعث".
الملاحظة العامة أن أغلبية هذه المبادرات تضمنت فقرة استثناء "حزب البعث" منها، وهذه من المآخذ الكبيرة، لأنهم إذ يتهمون حزب البعث بأي جريمة فإن الفريق المعارض للحكومة اليوم يمتلك أيضاً عشرات الملفات التي تؤكد تورط أغلبية الأطراف الحاكمة في عراق ما بعد 2003 بجرائم ربما ترتقي إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. وعليه ينبغي أن تُترك هذه القضية الحساسة للقضاء الحر النزيه، وهو الذي يحكم في هذه الاتهامات المتبادلة.
جميع هذه المبادرات افتقرت لقواعد أساسية مهمة جداً للمّ الشمل العراقي وهي القلب النقي، والفكر الصافي، والروح المليئة بالصراحة والمرونة البعيدة عن الأحكام القطعية المسبقة.
المعضلة العراقية ليست بحاجة إلى مزايدات فكرية في سوق المبادرات، وإنما يعوزها إنصاف حكومي لشركاء الوطن، وحينها يمكن أن نتفق على أي مبادرة تُخرج البلاد من هذا النفق الذي نرى بدايته، ولا ندري متى وأين وكيف ستكون نهايته؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مبادرات إعلامية # (ابتسام الغالية)

    الخميس 2 آذار / مارس 2017.
    نعم أنها مبادرات بدون أرواح لانها ليست مبادرات حقيقية هدفها بعيد عن مصلحة الوطن والمواطن وانما هدفها تثبيت من يبادر في طرحها اعلاميا والدليل المبادرات التي أشرت اليها من زمن رئيس الوزراء الأسبق المالكي والى آخر مبادرة للتيار الصدري حيث بقية هذه المبادرات كجسد بدون روح.
    المبادرات الحقيقية تحتاج رجال لهم مواقف رجال يمتلكون السياده على أنفسهم وليس يتسيد عليهم أناس لاعلاقة لهم في العراق ولافي مصلحة العراقيين.
    لقد عايشنا الوضع المتأزم منذ احتلال العراق في 2003 والى الآن لايوجد بريق أمل بأن القادم أفضل.
    دكتور مصلحة البلد آخر اهتمامات المسؤولين. لذا لااتوقع هذا المبادرات سترى النور وأنما ستستمر داخل النفق أن لم يحدث تغيير نحو الأفضل.
    حياك الله دكتور جاسم الشمري.
  • »"خلط اوراق" (يوسف صافي)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2017.
    المبادرات تعيش وحال من قوننوا دستور برايمر سيئ الذكر والمضمون ولوجا للفوضى الخلاقّة (حرب المصالح القذرة) التي زادها خلط الأوراق من أجل زيادة العديد واللهيب؟؟؟ فهل يعقل من روافع مابني على باطل ان يخرج منها حلول ؟؟؟ ضرب من الخيال وبعد ان اصاب اصحاب المصالح وقرا في آذانهم واكنّة على قلوبهم ان يروا سوى مصالحهم؟؟؟؟ ودعنا لانفقد الأمل استاذ جاسم فطفرات الشعوب اشبه بزلزال لا احد قادر على تحديد توقيتها وقوتها وعديد ارتدادتها كما سرعة ووجهة تسوناميها ؟؟؟؟ وارادة الشعوب لم تقهر "ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم"
  • »مبادرات... (سوسن فيصل)

    الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2017.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    استاذي،الفاضل... اقول لك كما قال الشاعر ألا ليت الشباب يعود،يوما.... والأن اكرر نفس،البيت ألا ليت يعود،العراق وباقي،الدول العربيه تعود،يوما ويلتئم الجروح فيها ويلتم شملها وتعود،كسابق عهدها موحدة متماسكة يد واحدة وروح واحدة وتتلاشى،كافة الصراعات وت عن وتعود له روح الوطنيه والقوميه العربيه التي كانت موجوده على سابقا تحياتي لمقالك الرائع دمت ودام العراق بخير