القلق.. فلسفة!

تم نشره في الأربعاء 1 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

د. رجائي الجاعوني

اعتبر الفلاسفة الوجوديون أن القلق أحد مقومات الوجود التي لا بد منها في حياة الإنسان، على اعتبار أنه واقع ملازم لها كملازمة الفكر والمشاعر الوجدانية. كما أنه تعبير عن حالة القلق العام الذي ساور الناس عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية!
رائد هذه الفلسفة الوجودية سيرين كيركغورد الدنماركي الذي لاحقه ذلك القلق إثر مصائب ومعاناة نفسية نتيجة سيرة أبيه ميخائيل كيركغورد المخزية منذ صغره، ثم اللعنة التي لاحقت أسرته بموت أخته الكبرى في العام 1822 وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، تلتها الأخت الصغرى وهي في الثالثة والثلاثين، وبعد عام واحد توفي أخوه وحيدا في أميركا، تلته بعد عام والدته التي كانت عزيزة عليه جدا. وفي العام نفسه توفيت أخته الحبيبة "اليه" وهي في الثلاثينيات من عمرها.
بعد كل هذه المصائب بموت أعز الناس إليه، أصبح سيرين يعيش حالة من القلق الشديد بأنه لن يعيش طويلا، بل أشهار بأقصى حد. فدخل في حالة من الكآبة العميقة، ثم في حب جارف لإحدى الفتيات التي خطبها وكان يعشقها. لكن كآبته انعكست على صحته فبات عليلا، إضافة إلى شكله القميء. فعاش تحت وطأة مشاعر سلبية بأن أبواب السعادة موصدة أمامه. ثم انفصل عن خطيبته بعد صراع مع قلقه وكآبته.
اتخذ سيرين القلق فلسفة لحياة الإنسان. ثم انفرد من دون الناس جميعا بهذا الاكتشاف، ليمضي في تحليل هذه الظاهرة (القلق) على أنها تتعلق بطبيعة الإنسان وتدخل في أخص مقوماته. ثم جاء الفلاسفة من بعده فعمدوا فصبوا القلق في قالب فلسفي أعمق، جاعلين منه إحدى المقولات التي يرتكز عليها المذهب الوجودي. ويعبر جان بول سارتر عن هذا المعنى بقوله: إن الوجود ليعلن أن الإنسان يحيا في قلق ويكابد القلق.
إذا كان القلق إحدى ركائز الفلسفة الوجودية، فأي فلسفات ستخرج من الشعوب المعذبة الخاضعة للعنف والظلم وقلق على أعلى المستويات من خلال ربيع عاصف مزلزل أبى إلا أن يترك بصماته على الإنسان العربي الذي ما يزال يصارع ألم القتل والتشرد والإعاقات الجسدية التي قد يصل بعضها للعقلي؟
لا بد لحركة فكرية فلسفية فوق مستوى الحداثة وما بعدها، تصرخ بوجه من مزقوا لُحمة الوطن العربي بالطائفيات والعنصريات وكل ما كان سببا في تمزيق الإنسان العربي بهدم فكره ومعتقداته، ثم غسل ما تبقى في دماغه لحشو المستورد الضار قبل النافع. هكذا ستنشأ الفلسفة العربية كأحدث فلسفات مواجهة التشرد متعددة الاتجاهات والأشكال، فلا تقوم مدنية براقة إلا بالعنف وسفك الدماء، ولا ترتقي دول تسبق كل الحضارات إلا بتجربة الخراب والهجرة والغرق واليتم والترمل. وأي مصيبة ترتقي بنا إلى غرس فلسفة تؤدي إلى حياة أفضل وفكر متطور نحو البقاء تحت وطأة العيش برهاب انتظار سكين وصاروخ ورصاص جديد لم يعرفه كيركغورد ولا مَن وضعوا النظرية الأساسية للفلسفة الوجودية.
حتى بداية الوجود الإنساني الذي تمثله الطفولة، تعيش صراعا مع القلق الساكن في عمقها: متى تسقط القنبلة وأموت؟ لم يتركوا لها مجالا لتنمو صحيحة معافاة من آفات التشوه. فالموت محيط بها والإعاقة تحوم حولها في حالة النجاة من بعثرة أشلائها ثم فنائها.
بانتظار فلسفة عبثية تعلل وتوضح رد فعل الوجدان العربي!

التعليق