التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية

تم نشره في الأربعاء 1 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

شهاب المكاحله

بعيداً عن التحالفات التقليدية والعلاقات التجارية والاقتصادية، يبدو أن الإدارة الأميركية اليوم باتت أمام اختبارات تشكل تحديات كبيرة لها ولسياستها كقوة عالمية. ومن أبرز هذه التحديات قضية حل الدولتين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتعامل مع روسيا، وكوريا الشمالية، والنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط والاتفاق النووي معها، والقضاء على الإرهاب. وهو الأمر الذي أثار ردود أفعال عدد من المفكرين والمحللين في واشنطن.
حل الدولتين
يرى المحلل السياسي روجر كوهين أن ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول حل الدولتين، يعتبر ضرباً من الإبهام والغموض حول طبيعة مستقبل الدولة الفلسطينية والعلاقة المشروطة التي تريدها إسرائيل، رغم طلب الحكومة الأميركية تجميد الاستيطان عقب زيارة الملك عبدالله الثاني لواشنطن وتمكنه من اقناع الإدارة الأميركية كذلك بوقف نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، لما في ذلك من تداعيات على مستقبل المنطقة. وهنا يأتي دور واشنطن في تشجيع ما يسمى "اللجنة الرباعية العربية"؛ الأردن ومصر والسعودية والإمارات، للعب دور أكبر في تقريب وجهات النظر بشأن الصراع.
وأوضح كوهين أنه لا يمكن تحقيق تقدم ما لم يتم تقديم تنازلات من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وانتقد كوهين حديث نتنياهو عن بحث تل أبيب عن طريق جديدة لتحقيق السلام، ما يعني المزيد من الضغط على واشنطن، وبما قد يؤثر على طبيعة علاقة واشنطن بحلفائها في العالم العربي، لأن اقتراح دولة واحدة يعني الذهاب إلى مستقبل مظلم للمنطقة وللصراع العربي الإسرائيلي. وأشار إلى أن أي تسويف في المفاوضات المباشرة يعني عدة سنوات من المفاوضات تضاف إلى السنوات التي مضت على توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، ما يضاعف التحديات الأمنية، خصوصاً مع مطالبة إسرائيلية بجعل مناطق النفوذ الفلسطينية الحالية منزوعة السلاح وترك صلاحية مراقبة الحدود الشرقية مع الأردن للجيش الإسرائيلي بالكامل.
من جانب آخر، يرى مارتن إنديك، السفير الإسرائيلي السابق لدى تل أبيب، أن الصفقة النهائية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني أصبحت في يد جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترامب، المقرب منه والذي يشكل مصدر ثقة كبيرة بالنسبة للرئيس كونه يتحدث بالنيابة عن ترامب.
العلاقات الروسية الأميركية
هناك معضلة رئيسة تواجه الإدارة الأميركية، هي كيفية التعامل مع الحكومة الروسية. وهنا يشير المحلل والكاتب السياسي ديفيد ماكوفسكي إلى أن واشنطن قد تسعى الى التوصل إلى تفاهم مع موسكو حول إيران، رغبة من الإدارة الأميركية في إضعاف النفوذ الإيراني في سورية والعراق والتشديد على بنود الاتفاق النووي والتزام طهران به. ويقول إن ذلك من شأنه كذلك أن يوحد جهود موسكو وواشنطن لمحاربة الإرهاب. وهنا تعارض بين ما يسعى ترامب إلى تحقيقه وبين ما يريده الكونغرس الأميركي. فيرى الكاتبان والمحللان السياسيان روزاليند هيلدرمان وتوم هامبرغر أن هناك رغبة في إيقاف ما اصطلح على تسميته "الربيع الروسي لترامب" بعدما وصف السيناتور جون ماكين، رئيس اللجنة العسكرية في الكونغرس، خطة ترامب للتعاون مع موسكو في سورية بـ"اللامقبولة".
ولعل ما قالته كريس لابتينا، مؤسس "مجموعة فوكس الأميركية للاستشارات السياسية"، عن استقالة مستشار الأمن القومي مايكل فلين بأنها شكلت ضربة قوية للرئيس ترامب، يعني أن "مسألة اختراق روسيا لحسابات الحزب الديمقراطي لصالح ترامب قد عادت للواجهة وستخلق مشكلة كبيرة وتحديات جسيمة أمامه". بعبارة أخرى، يكن القول إن ربيع ترامب مع روسيا قد تأجل حتى إشعار آخر.
كوريا الشمالية والصواريخ البالستية
يشير الخبيران الاستراتيجيان بيتر براي وبيتر هويسي من "معهد جيستون" إلى أن إطلاق كوريا الشمالية مؤخرا صاروخاً باليستياً جديداً باتجاه البحر المطل على سواحلها الشرقية، كان بمثابة بالون اختبار لترامب وسياساته، بل جس نبض للقوات الأميركية ومعرفة مدى جهوزيتها. ويضيف الخبيران أن كوريا الشمالية تظهر بتجاربها أنها قادرة الآن على ضرب الأراضي الأميركية، وأنه آن الأوان للتعامل مع الملف الكوري الشمالي بجدية أكبر والابتعاد عن الصيغ الدبلوماسية. ويشيران إلى ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في 17 شباط (فبراير) 2017 من أن الاختبار الكوري الشمالي للقوة الصاروخية يشكل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة وأنه لا بد من وضع آلية للتصدي لهذه التهديدات.
إيران والسلاح النووي
عادت إيران إلى الساحة الدولية قبل عقد من الزمان بعد أن كانت تعيش عزلة إقليمية عقب تراجع أدوار عدد من اللاعبين الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط والعالم. واليوم بات هناك تعاون كبير بين طهران وعواصم عدة، منها بكين وموسكو، ضمن تحالف أوصل كلاً من الصين وروسيا إلى مياه الخليج العربي والمحيط الهندي الدافئة، وكسر احتكار واشنطن لسيطرتها على تلك المنطقة. ووفقاً لتقرير لمجلة "فورين أفيرز"، فإن التحالف الروسي الإيراني قوي ومرن وهو ما لا تريده الإدارة الأميركية، وخصوصاً عقب الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى. وهنا لا يجد ترامب أمامه سوى استنساخ محاولات الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في التسعينيات من القرن الماضي، حين عمل على استرضاء سورية وإبعادها عن إيران وضمها إلى الحلف الغربي لواشنطن، وبالتالي إضعاف النفوذ الإيراني، لكن من دون نجاح. واليوم يعود السيناريو نفسه مع إيران وروسيا في محاولة أميركية لسحب روسيا بعيداً عن إيران. لكن هذا الأمر لن يتحقق، لأن السياسة الروسية تجاه إيران استراتيجية وقد تمثل ذلك في الجهود التي بذلتها روسيا في التوصل للاتفاق النووي مع إيران تمهيداً لرفع كامل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
محاربة الإرهاب الداعشي
يبدو أن ملف الإرهاب في كل من سورية والعراق بات مهماً لدى القيادتين الروسية والأميركية. لكن قد لا يشهد تعاوناً كبيراً في القريب العاجل حسب التوقعات والتحليلات الكثيرة، خصوصاً عقب تصريحات وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الأخيرة بأن التعاون العسكري مع موسكو في سورية مشروط؛ ما يعني أن العلاقات بينهما لا تسير بالاتجاه الذي كان متوقعاً أو بنفس الوتيرة التي توقعها المحللون السياسيون.
فتدمير "داعش" في العراق وسورية مع زيادة الدور الروسي في الشرق الأوسط في ظل خلاف وجهات نظر القيادات السياسية والعسكرية، سيجعل العام 2017 صعباً بالنسبة للشرق الأوسط وكثير من دوله، وسيجعل  المصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة على المحك في سيناريوهات ما بعد تنظيم "داعش" وفق ما يراه الخبير الاستراتيجي جيمس جيفري.

التعليق