جهاد المنسي

عن "أرب أيدول"

تم نشره في الأربعاء 1 آذار / مارس 2017. 01:04 صباحاً

خلال اليومين الماضيين طالعت ما جادت به قريحة رواد مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة من تعليقات حول برنامج المسابقات الأشهر "أرب أيدول"، ولمست في فحوى تعليقات معينة رائحة نتنة بأشكال مختلفة، فهذا تعليق عنصري، وآخر طائفي، وثالث إقليمي او جهوي وهكذا دواليك.
بطبيعة الحال، ليست كل المنشورات واحدة، اذ قد تجد في بعضها من يدافع عن حق البشرية في الموسيقى، وحق الانسان في التمتع بالحياة، حتى لو كان ذلك وسط محيط مضطرب.
بيد ان سواد تعليقات مواقع التواصل التي طالعتها للأسف كانت تعبر عن انفصام حقيقي، فهذا تعليق لإسلامي يريدنا ان نطبل ونزمر لطرف معين فقط، ونمجد تضحياته، ونتوافق معه في كل تنقلاته عبر المحاور، فلا بأس من التهليل لسورية وإيران ولحزب الله عندما كان ذلك الطرف يقف في صفهم وقتذاك، كما يتوجب علينا أن نطبل لقطر وتركيا وغيرهما عندما يقرر الطرف المعني الوقوف في صفهما ويختار ترك المعسكر الثاني، وفي الحالتين علينا ان نحضر للتصفيق، فيما يُحرّم على الناس الفرح او متابعة برنامج "أرب أيدول"، لان البرنامج لا يتفق واهواء الشخص المعني.
وفي الأثناء؛ يمكن رصد تعليقات أخرى تفوح من ثناياها رائحة كره للحياة والبشرية، وتحرّم الفرح على الناس، وتوجه نقدا لاذعا لأي احتفال بالفوز، ويذهب أصحابها نحو سوداوية قاتلة مضمونها تحريم ونقد حق شعب قابض على حقه بالوجود في أرض فلسطين بالنواجذ، ومصادرة حقه في الفرح او الفوز.
أولئك من رافضي الفرح، يطيب لهم عند كل منحى إيجابي التذكير بمآسي الشعب الفلسطيني، والتذكير بان فلسطين محتلة وهو أمر لا ينسى أبدا، وفي ثنايا كلامهم وتهجمهم تشعر أنهم ينفذون كل يوم طلعات مقاومة ضد الصهاينة، موغلين بهم قتلا، فيما أهل فلسطين يتفرجون ويغنون، وأولئك الناقدون يتناسون البطولات اليومية التي يسطرها الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه، وحقه في الوجود، رغم غياب العرب عن المشهد!
في المقلب الآخر أيضا، ثمة من يخرج متسائلا عن اسم الفائز ومدينته وربما ديانته، غامزين عنصرية ومذهبية، فتشعر في ثنايا سؤالهم ذاك فكرا داعشيا مستقرا في رؤوسهم، متسترين آنيا تحت ستائر مختلفة، ولكن لو حانت فرصتهم فسنراهم يكفّرون هذا ويفتون بقتل ذاك، ويرجمون الناس ويحكمون عليهم بالإعدام في الساحات، والسبب اختلافنا معهم، أو حتى مناقشتهم.
أولئك لا يطيب لهم أن يتواجد المسلم والمسيحي معا، الشرقي والغربي، تحت رؤية واحدة حتى لو كانت ذات صلة بالفن، وإنما يريدون أن نبقى نسمع ما يلقننا به شيوخهم حول كره الآخر، ورفضه، ونبذه والانتقام منه أحيانا، ويرفضون رؤية المسلم والمسيحي ينصهران في الإنسانية، فأولئك السوداويون يعرفون أن ذاك يهدد وجودهم ويضع حدا لطوابق الفرقة التي لعبوا عليها ردحا من الزمن.
بالمجمل، من حقنا كبشر بعيدا عن معتقداتنا وجنسياتنا ومذاهبنا أن نحب الحياة ونستمتع بالموسيقى ونطرب للصوت الجميل ونقف معه، ونشجعه ونفرح عندما يفوز، وهذا لا يعني نسيان قضية مركزية غنّى لها الفائزون، وأكدوا عليها في كل حلقات البرنامج، فأولئك الشباب سواء في فلسطين أو اليمن جاؤوا من  تحت نير الظلم، بعضهم قاوم واعتقل، ولكنهم تمسكوا بأن يغنوا  للحياة والإنسان والوطن.
أما أولئك ممن أشبعونا عبر مواقع التواصل مراجل وشتما ومسخرة، فإنهم أبدا لم تكن يوما بوصلتهم تشير للقضية، وإنما كانت بوصلتهم في الاتجاه الذي يريده أسيادهم، ولذلك اضاعوا دليلهم، وباتت رؤيتهم لا تصل لأرنبة أنوفهم، فتراهم يسخرون من الناس هربا من واقعهم المأزوم ونفسياتهم السوداوية، رفضا منهم للإنسانية وللحياة وللفن.
لأولئك الغارقين في تيه الظلام نقول: سنبقى نغني للحياة، نحب الموسيقى، نسمع فيروز وصباح فخري، ومارسيل خليفة، وجوليا بطرس وفرقة العاشقين وبلدنا، وميس شلش، ونقرأ لمحمود درويش، ونزار قباني، وسميح القاسم وتوفيق زياد، وفِي الوقت عينه ستبقى البوصلة تشير لفلسطين والقدس، فبوصلة من يحب الفن والموسيقى والحياة  نادرا ما تنحرف، أما أولئك فسيبقون في غياهب ظلامهم.

التعليق