فهد الخيطان

"خلّيها لبعد القمة"

تم نشره في الخميس 2 آذار / مارس 2017. 12:08 صباحاً

تسأل عن موعد حل المجالس البلدية، فيأتي الرد أن القرار مؤجل لما بعد القمة العربية المقررة نهاية الشهر الحالي في الأردن.
مجلس الوزراء وقّع أخيرا على قائمة محكومين بالإعدام، لكن التنفيذ لن يكون قبل القمة العربية، على ما تفيد مصادر رسمية!
ما علاقة القمة العربية بالشؤون الداخلية الأردنية؟ الله أعلم.
منذ أسابيع قليلة، بدأت القمة العربية تبرز كعامل جديد لتبرير تأجيل قراراتنا. حتى في أمور أقل شأنا في العمل الرسمي، صرنا نسمع النغمة نفسها: "خليها لبعد القمة"؛ في تقليد يذكرنا بالجملة التاريخية القريبة إلى قلوب المسؤولين: "خليها لبعد العيد"، حيث تتعطل الأشغال في شهر رمضان، وتُرحّل القرارات لما بعد عطلة العيد.
القمة العربية مناسبة مهمة ولا شك، لكنها مثل حلم في ليلة صيف؛ لا نكاد نسمع خبر انعقادها، حتى يأتي خبر اختتامها، وفي معظم الأحيان تنشر الصحف بيانها الختامي قبل انعقادها بيوم أو يومين.
لكن الجانب البروتوكولي والأمني هو الذي يجعل منها حدثا مرهقا للدول والحكومات. أول من أمس، أعلنت السلطات المختصة عن اعتبار منطقة البحر الميت منطقة مغلقة، وعلى ساكنيها الحصول على تصاريح للدخول والخروج، مع نحو شهر من الزمن ما يزال يفصلنا عن القمة.
هذا هو الوضع للأسف؛ "كركبة" القمة وتقاليدها الشكلية في عالمنا العربي، أهم بكثير من الاجتماعات والبيانات والقرارات، وعادة ما تنشغل الدول المستضيفة بالحاشية المرافقة للزعيم أكثر من انشغالها بالزعيم نفسه، الذي يحضر لساعات ويغادر قبل غروب الشمس.
ولهذه الاعتبارات، تلجأ الدول إلى اعتبار يوم انعقاد القمة عطلة رسمية؛ لتتفرغ المؤسسات المعنية للقيام بواجب الضيافة، والتخفيف من ازدحامات السير في الشوارع. ولا أعلم إن كانت الحكومة تفكر بتعطيل الدوام في القمة المقبلة، رغم أنها ستنعقد في منطقة البحر الميت بعيدا عن زحمة عمان.
إن التحضيرات التي تسبق وتصاحب انعقاد القمة، هي التي تضع الجميع؛ مؤسسات وأفرادا، في حالة تأهب وترقب، وتدفع الحكومة إلى الحذر في قراراتها، وتأجيل ما يمكن تأجيله، حتى لا تشوش على صورة البلاد قبل القمة. وبالنسبة للبعض من المسؤولين، هي مناسبة يمكن التذرع بها لترحيل ما عليهم من التزامات ومسؤوليات، مع أنه لاعلاقة لها من قريب أو بعيد بجدول أعمال القمة.
يصبح الشعور السائد هو الحرص على إظهار البلد بأحسن صورة، نظافة وجمالا وخضرة؛ فلا بأس من زراعة الأشجار على جنبات الطرق لبضعة أيام، وطلاء الجدران والأرصفة، وإخفاء المناطق العشوائية قدر المستطاع.
المهم أن موعد انعقاد القمة يصبح حدثا فاصلا له ما بعده، هكذا من دون سبب مقنع. وتحرص الحكومات على إبقاء زخم القمة فاعلا حتى بعد أيام وأسابيع على انعقادها؛ فتنشغل بالتركيز على "قصة النجاح" في عقد القمة وتنظيمها، من دون أي مشاكل، منذ وصول الزعماء إلى مغادرتهم، "بما استقبلوا من حفاوة وترحيب".
"بعد القمة" هي أكثر عبارة دارجة حاليا في أروقة المؤسسات الرسمية. وبعد انقضاء الحفل العربي والقومي، سيقال أيضا: "يا إخوان مانتو عارفين كنا مشغولين في القمة"، وذلك في معرض تبرير ما تأجل من قرارات.

التعليق