في سبيل الخروج من مأزق "خطبة الجمعة": تعويمها وتحكيم "العقل النقديّ العام"

تم نشره في الجمعة 3 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

نواجه واقعاً يشهد كثرة في المساجد التي تقام في أغلبها صلاة الجمعة وخطبتها. ونتيجة لهذه الكثرة، فإنّ الحاجة إلى الخطباء تزداد، ومع هذه الزّيادة نرى أنّ نسبة كبيرة من الخطباء غير مؤهّلين، لذلك تحاول وزارة الأوقاف حلّ هذه المشكلة بإجراءات منها إعادة إحياء مفهوم المسجد الجامع، وتوحيد خطبة الجمعة. الإجراء الأوّل يهدف إلى تقليل المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة وخطبتها ممّا يُمكّن "الوزارة" من توفير خطباء "أكفاء" لأداء هذه المهمّة. أمّا الإجراء الثّاني فيهدف إلى ضبط خطبة الجمعة وضمان توجّهاتها حتى لا تخرج الخطب عن غاياتها وتتحوّل إلى منابر داعية للإرهاب والكراهيّة والتّطرّف.
هذا ما تطرحه الوزارة في تسويغ توجّهاتها، ولست أريد هنا الخوض في الأحكام الشّرعيّة لمثل هذه الإجراءات؛ فالفقه الإسلاميّ من السّعة والتعدّد والاختلاف ما يُمكّن لمن يريد رأياً أن يجد له سنداً ودليلاً. ولكن أريد تحليل هذه الإجراءات بوصفها حلاً لمشكلات قائمة عبر خطوات منهجيّة أبدأها بسؤال: ما المعايير التي نعتمدها للحكم على خطبة الجمعة بأنّها ناجحة وتحقّق الأهداف منها؟ أظنّ أنّني بهذا السّؤال أضع القضيّة برمّتها في مأزق صعب! فالمعايير هنا فرع عن أسئلة كثيرة لمّا نحسم جوابها بعد، مثل: ما دور الدّين في الحياة العامة؟ وما دور رجال الدّين فيها؟ وما مجالات الفضاء المجتمعيّ والفرديّ التي تكون للدّين فيها الكلمة الفصل، أو كلمة لا بدّ من اعتبارها؟ ثمّ لو توافقنا على هذه المجالات، فما الخطاب الذي نريده؟ ومن الذي يحدّد ما ينبغي أن نريده؟
كلّ هذه الأسئلة وغيرها تزداد أهمّيّتها وحساسيّتها في ظلّ مجتمع يرتفع عنده منسوب "التأثُريّة الدّينيّة"، أي أن يكون مجتمعاً "منغمساً" في تديين حياته العامة والخاصّة بغض النّظر عن مدى التزامه بما يُقال له عن أحكام الدّين. كما ترتفع الحساسيّة والأهمّيّة في ظلّ مجتمع يعاني من نقص في منسوب الوعي النقديّ وحسّ المسؤوليّة المعرفيّة والعقليّة والنّقديّة.
باجتماع هاتين السّمتين في مجتمعٍ ما تصبح خطبة الجمعة مصدراً مهمّاً وخطيراً ليس في تشكيل المزاج المجتمعيّ وحسب، بل في تأطيره وتصنيعه وفق مزاج "الخطيب" وقدراته "التأثيريّة"، وهذه الحالة لن تكون مشكلة إلا عند الفئة التي لا توافق الخطيب على مضمون خطابه؛ فإذا تحدّث خطيبٌ ما في شأن سياسيّ أو اقتصاديّ جاعلاً ما يتحدّث به أحكاماً دينيّة فإنّ الفئة التي ستعارض هذا الخطاب هي تلك التي لا توافق الخطيب في طروحاته السّياسيّة أو الفكريّة وترفض أن تكون ممثِّلة للخطاب الدّينيّ، وعندها ستطالب الفئة الرافضة هذا الخطيب بأحد أمرين أو بهما معاً: أن لا يقحم الخطاب الدّينيّ في الشّأن العام السياسيّ والاقتصاديّ مثلاً، أو أن تطالبه بتغيير فحوى خطابه ليتوافق مع ما يريدون، لذلك قد نجد بعض مَن ينادي بـ"العلمانيّة" يفرح ويحتفي بخطبة يتحدّث فيها الخطيب عن "تبييء العلمانيّة" في المجتمع الإسلاميّ معلناً أنّه لا تعارض بين "العلمانية" و"الإسلام"، أو بين "الدّولة المدنيّة" و"الإسلام". وهذا القبول من "علمانيّ" لمثل هذه الخطبة "الافتراضيّة" التي لا أزعم حدوثها يعود لموافقة مضمونها وخطابها لما يريده هذا العلمانيّ. وفي المقابل لو تحدّث الخطيب عن "خطر العلمانيّة" ووصفها بـ"الكفر" و"الحرب على الإسلام" ستجد لها موافقاً ومؤيّداً آخر هو ذلك الشّخص الذي يتّخذ من العلمانيّة هذا الموقف، وبين هذا وذاك ممن لهم مواقف وآراء سينقسم جمهور المستمعين أقساماً منهم مَن لم يستمع للخطبة لانشغاله الذهنيّ أو لنومه، ومنهم من سيعاملها معاملة الطّقس الدّيني الاعتياديّ الذي تسقط تبعات عدم فعله بمجرّد حدوثه من دون شرط الفهم والتّفاعل والنّظر والتّفكّر.
وعلى ذلك، فإنّ الإجراءات التي تحاول وزارة الأوقاف فعلها من تقليل الخطباء والمساجد الجامعة، ثمّ توحيد خطبة الجمعة، تنطلق من موقف رافض لنماذج من الخطب والخطباء، والسّؤال هنا: "ما النموذج الّذي تريده وزارة الأوقاف بوصفها جزءاً من الحكومة التي هي جزء من الدّولة أن تجعله معياراً للخطبة الجيّدة المقبولة"؟ وهو سؤال يتضمن أنّنا نقبل أن يكون لـ"الدّولة" وأجهزتها نموذج دينيّ يجوز لها أن تفرضه على الخطاب الدّينيّ العام ومنه خطبة الجمعة. واللافت هنا أنّ بعض "التنويريين" و"العلمانيّين" الذين يرفعون شعارات "الحريّة الفكريّة" و"محاربة الاستبداد" هم أكثر المتحمّسين لدور الدّولة في الاستبداد بنموذج الخطاب الدّيني! وهذا الانحراف ناتج عن انزياح بؤرة النّظر عند هؤلاء إلى العلمانيّة والليبراليّة والتنويريّة بوصفها منهجيّات وإجراءات ترفض الاستبداد والتضييق والفرض والنمذجة القسريّة بغض النّظر عن طبيعة السّلطة سواء كانت سياسيّة أم دينيّة.
إذن نحن مقابل واقع مركّب نشهد فيه العجب العجاب من خطب الجمعة، وهذا الوصف فرع عن موقفي الشّخصيّ من مضمون كثير من خطب الجمعة، ونرى فيه وزارة الأوقاف تحاول فرض نموذج معيّن للخطبة والخطاب الدّيني أرفض أن يكون لها حقّ هذا الفرض أوّلاً، وأشكّ كثيراً بالقيمة المضمونيّة والمفهوميّة للنموذج الذي تريد فرضه أو نشره؛ فالقائمون على صياغة هذا النّموذج من الحكومة وأركان الدّولة السّطحيّة والعميقة هم من وجهة نظري أحد أهمّ أسباب مشكلة الخطاب الدّينيّ والسّياسيّ معاً. وأؤكد هنا مرّة أخرى أنّ موقفي هذا ناتج عن رؤيتي للدّين وأدواره الممكنة والمقبولة والضّروريّة أيضاً، ولكن هل يحقّ لي أن أجعل رؤيتي معياراً للحكم على هذه الظّاهرة؟
ما يمكنني هو أن أقترح لا أن أفرض، وهو ما سأفعله في مناسبات مقبلة. ولكن أشير إلى قضيّة أرى أنّ تعميمها وانتشارها وتعمّق خبرتها وممارستها في العقل العامّ يُمكن أن يحلّ مشكلة خطبة الجمعة أو أن يجعلها مشكلة أقل تأثيراً حتى تصبح خطبة الجمعة أمام خيارين: تطوير نفسها تطويراً جذريّاً، أو الانقراض والتلاشي إن لم تفعل ذلك. فما تلك القضيّة التي يؤدّي تعمّق خبرتها في الوعي العامّ إلى هذه النّتيجة؟ إنّها "العقليّة النقديّة التفاعليّة".
فلو تحقّق أفراد مجتمعٍ ما، أو نسبة كافية فاعلة منه بعقليّة نقديّة إيجابيّة صارمة فإنّ أيّ خطاب بغض النّظر عن مصدره وآليات تشكيله سيخضع لاختبارات حقيقيّة تكشف ضعفه وزيفه وتضليله، وعندها لن يكون بإمكان أيّ خطبة أو أيّ خطاب أن يقوم وينتشر ويؤثّر إلا إذا تمتّع بعناصر المقبوليّة النّقديّة التي تحدّد ملامحها أطر "العقل العامّ". ولكن تحوّل العقل العامّ إلى عقل نقديّ ليس هيّناً؛ فإذا كانت "المؤسّسة الدّينيّة" تتحسّس من "النقد والعقل النّقديّ"، فإنّ "مؤسّسة الحكومة" تتحسّس منه أكثر، لذلك قال الفيلسوف الألمانيّ "كانت": "الدّين" و"الدّولة" أكثر مؤسّستين تحسّساً ورفضاً للعقل النّقديّ، لقيامهما على مبادئ "الطّاعة" و"الامتثال"".
وباختصار، فإنّ "وعي الجمهور" ومقدار عمقه وقوّته ونشاطه وفاعليّته هو ما يحدّد ممكنات أيّ خطاب وأيّ خطبة، فلو علم كلّ متكلّم أنّ المستمعين سيختبرون كلامه، ويمحّصون ما خفي من بيانه، ويكشفون ما أضمر وأظهر من مغالطات وأكاذيب، ثمّ يحاسبونه على كلّ ذلك، فإنّه إمّا أن يصمت وينسحب أو يعدّل ليتجاوز في كلامه وخطابه كلّ تلك الخطايا أو جلّها. فهل إلى جمهور بهذا المستوى من سبيل؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخطبة (احمد الرشدان)

    الخميس 2 آذار / مارس 2017.
    نعم الحل الذي طرحته مناسب جدا واتفق معه ويفترض ان يكون هدف التربية والتعليم في البيت والمدارس والجامعات وحتى الاعلام لكن الى حين الوصول الى هذا الهدف لابد من اجراءات للحد من تأثيروسيطرة جهة سياسية لهذا المنبر الهام ،ربما احد الحلول الممكنة تجنب كل رأي سياسي على المنبر والاكتفاء بالوعظ الاخلاقي وكذلك تعزيز الاتجاه نحو المسجد الجامع