القوى الحضارية الناعمة: عن واقع ومستقبل العالَم العربي

تم نشره في الجمعة 3 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

معاذ بني عامر

السؤال الافتتاحي الذي افتتحُ به مقالتي هذه هو: هل ثمة إمكان حضاري عربي؛ أعني خروجنا من حالة الهوان التي نحن عليها، بما تحتويه من انشغال بتفاهات صغيرة؛ والانتقال من ثمَّ إلى حالةٍ من الإبداع تطال مختلف مجالات الحياة الواقعية والذهنية؟
إذاً، هل ثمة إمكان حضاري عربي في ظلّ سيطرة ليس حالة من اليأس في العالَم العربي فقط، بل انتشار حالة من الضعف والانحطاط أيضاً؛ تتجلّى تجلّيات مختلفة، ابتداءً من حروب طاحنة نُفني فيها بعضنا بعضاً، وليس انتهاء بحالة الانسحاق التي يستشعرها المُثقّف العربي أمام ما يُنتجه الآخر، بما يُبقيه -في أغلب الأحيان- في دائرة الاجترار والنقل، رغم أنه قد يكون من دُعاة الإبداع والعقل؟
هل ثمة بشارة حضارية وسط هذا الرُكام من الآلام والآمال المُجهضَة التي تُحيق بالعالَم العربي من كل حدب وصوب، وتجعل منه كائناً مسلوب الإرادة، فهو لا يفتأ يخرج من إخفاق ليدخل في إخفاق ثانٍ، وهكذا دواليك، حتى تمّ القضاء على حيواته كافة أو كاد؟
إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تستلزمُ استقراء للواقع العربي منذ أن بدأ حُلم النهوض من السبات الحضاري يُداعب الذات العربية في أحلامها الذهنية والواقعية، ولا سيما ما اختلط من تلك الأحلام بذكرياتٍ قديمة وعزيزة، كانت فيها المنطقة العربية أعرق بؤرة حضارية على وجه الأرض.
لكن لربما كان الاستقراء ناقصاً في حال تمّ اقتصاره على الحالة الفكرية، سواء أبُدئت بما كتبه إبراهيم اليازجي أو جمال الدين الأفغاني أو محمد أبوالقاسم حاج حمد أو عبدالجواد ياسين أو عبدالمجيد الشرفي أو طه عبدالرحمن أو فهمي جدعان أو سحبان خليفات أو محمد شحرور أو مالك بن نبي أو علي الوردي... إلخ.
لذا، ولغاية استكمال عملية الاستقراء، وجسّ نبض الواقع العربي وتشابكاته ليس مع سؤال النهضة حصراً، بل بالأحرى مع عملية النهوض من السبات الحضاري الذي غطَّ على بصر وبصيرة الإنسان العربي منذ ما يزيد على الألف عام، وما يزال، إلى درجة أن فكرة العطالة من العطاء لم تقتصر على الحالة الفكرية فحسب، بل طالت مختلف مرافق الحياة العربية، السيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والفنية والأدبية والدينية. وبناء عليه، يصير استقراء هذا الواقع بتجلياته كافة شيئاً ضرورياً لغاية الوصول إلى نتائج مقبولة ومُرضية في هذا الشأن، إذ لا ينفع فقط أن نقرأ كتاب "شروط النهضة" لـ"مالك بن نبي" أو كتاب "العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الإنسان والغيب والطبيعة" لـ"محمد أبو القاسم حاج حمد"، أو كتاب "الشخصية المحمدية أو اللغز المقدس" لـ"معروف الرصافي"، لكي نصل إلى خلاصات حول وضعنا العربي وقدرته على تخليق حالة حضارية مُبدعة.
كمرحلةٍ أولى، نحنُ لسنا بحاجةٍ إلى مقاربة وضعنا العربي من زاوية دينية فحسب، رغم الضغط الذي تمثلّه هذه الحالة علينا، ابتداءً من لحظة ميلادنا المادي إلى لحظة بقائنا الأبدي في العالم الماورائي. بل نحنُ بحاجةٍ –كمرحلةٍ أولى كما أسلفت- إلى فتح الحقول على بعضها بعضا وفهم حالة التردّي التي تعصف بالوضع الاجتماعي كما تعصف بالوضع الديني والوضع السيكولوجي والوضع الاقتصادي والوضع الأدبي والوضع النقدي والوضع السياسي... إلخ.
وكمرحلةٍ ثانية، نحنُ بحاجةٍ إلى ربط الحالة الفكرية بغيرها من الحالات، بحيث تكون عملية الاستقراء عملية غير ناقصة. وإذا كان لي أن أؤطّر ما أنا بصدده فإني اسألُ سؤالاً هَهُنا يُوضّح ما أنا بشأن طرحه: هل يمكن استقراء الوضع العربي (ساضرب هَهُنا بعض الأمثلة فقط، بعيداً عن أيّ أحكام تقييمية لهذه الأعمال، فتلك مرحلة أخرى من مراحل الاستقراء) بعيداً عن كتابات "عبدالمجيد الشرفي" في الحقل الديني، وموسيقى "نصير شمّا"، وأغاني "نانسي عجرم"، وأفلام "يوسف شاهين"، و"مسرح الرحابنة"، وأدب الروائي "علي بدر"، ودراسات "عبدالله الغذامي" النقدية، وكتابات "علي الوردي" الاجتماعية، ولوحات الفنانين التشكيليين العرب، وأعمال الجهاديين، وظاهرة الفضائيات الدينية والترفيهية، وغيرها الكثير الكثير من الظواهر ليس فقط المنتشرة بكثرة في العالَم العربي، بل والمُتعالقة مع بعضها بعضا، بما يضغط على مسلكيات الناس الاجتماعية والنفسية والثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية؟
مبدئياً، أنا أقول: لا يمكن أن نستقرئ الحالة العربية بأبعادها كافة إلا إذا ألقينا الضوء عن كثب على المسارات التي يتحرّك ضمنها الإنسان العربي، ويتفاعل من خلالها مع سياقات حياته المُختلفة؛ فالإنسان الذي يُحبّ أن يقرأ كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لـ"علي عبدالرازق"، هو جزء حقيقي من الواقع العربي الذي ينبغي استقراؤه، كما أن الذي يُحبّ الاستماع إلى أغنية "يا مسافر وحدك" لـ"محمد عبدالوهاب" جزء حقيقي من الواقع العربي المراد استقراؤه، كما أن الشخص الذي يُزنّر جسده ليُفجّر من يخالفونه في مواضعات الاعتقاد حتى لو كانوا من أبناء جلدته جزء حقيقي من الواقع العربي الذي ينبغي استقراؤه، كما أن أنماط الطعام والشراب جزء حقيقي من الواقع العربي الذي ينبغي استقراؤه، كما أن رداءة المُنتج الأكاديمي في الجامعات جزء من الواقع العربي الذي ينبغي استقراؤه، كما أن الإقبال الشديد على بناء المساجد جزء من الواقع العربي الذي ينبغي استقراؤه... إلى آخر هذه التمظهرات التي لا تعكس فقط أنماطاً من السلوك اليومي الذي يجنح الإنسان العربي إلى ممارسته، بل إلى منطلقات ذهنية أساساً، فثمة حديقة خلفية لهاته الممارسات، سواء أتجسّدت على هيئة عمل فكري أو أغنية أو أكلة شعبية أو أنماط اللباس أو عمل راقص أو مسلسل تلفزيوني، وحاجتنا مُلحّة إلى الدخول إلى تلك الحديقة ومعاينة مشهديتها، مشهداً تلو الآخر، حتى يُصار إلى إلقاء نظرة بانورامية على ما نحنُ عليه في عالمنا العربي، والإمكان التغييري الذي تنطوي عليه هذه النظرة.

التعليق