محمد برهومة

أمن المعابر والحالة الأردنية

تم نشره في الجمعة 3 آذار / مارس 2017. 12:06 صباحاً

فرضت الظاهرة الإرهابية في الشرق الأوسط ضغوطاً شديدة على أمن المعابر والحدود والقوات المنوط بها حمايتها في كثير من البلدان العربية، سواء في الأردن أو لبنان أو مصر أو السعودية أو تونس أو الجزائر... وذلك بتأثير من أماكن الصراع في العراق وسورية وليبيا واليمن. وتكاد الحالة الأردنية تقدّم نموذجاً على الطابع الإقليمي للظاهرة الإرهابية وضرورات اشتقاق أطر إقليمية لمحاربتها ووقف تمددها في المنطقة العربية.
في الآونة الأخيرة، شن "داعش" هجوماً عنيفاً على معبر طريبيل الحدودي بين الأردن والعراق، قتل خلاله 16 شرطياً عراقياً. وقد اعترفت الجهات الرسمية العراقية بمحاصرة التنظيم الإرهابي عدداً من الجنود من فوج المغاوير الثالث لحرس حدود الأنبار في منطقة عنادة على الشريط الحدودي بين طريبيل وعرعر؛ ما يعني أن ملف أمن المعابر الحدودية بين الأردن والعراق والسعودية، بات موضوعاً حيوياً يستوجب مقاربات وحلولاً ذات طابع إقليمي، إلى جانب التفاهمات الثنائية والمسؤولية الذاتية. ويبدو أن الخطر المقبل من سورية على هذا المثلث الحدودي، في حال التقدم في معركتي تحرير الرقة وتدمر، سيجعل خلق الأطر الإقليمية لمحاربة التنظيم ودحره أكثر إلحاحاً، وبخاصة في الستة أشهر المقبلة.
معنى ذلك أن الطابع الإقليمي للظاهرة الإرهابية في منطقتنا يفرض على دول الإقليم، وبعضها بدأ بالفعل، إجراء مراجعات سياسية وأمنية لتأمين مصالحها واستقرارها، ما يتطلب عدم غلق النوافذ، بل الانخراط في تسويات والقيام بإعادة تموضعات تكتيكية واستراتيجية؛ لأن الانخراط في مواجهة الإرهاب محدد أساسي للمشاركة في تشكيل السياقات الإقليمية وخرائط المصالح والنفوذ لمرحلة ما بعد "داعش"، وهو محدد محلّ توافق أميركي-روسي، أو على الأقل سيكون مدخلاً أساسياً ومناسباً لإجراء تفاهمات بين الطرفين حول قضايا الشرق الأوسط.
وتزداد أهمية التفاهمات الإقليمية والتعاون الجماعي والدولي لمحاربة الظاهرة الإرهابية، وفي واجهتها "داعش" و"القاعدة"، لصعوبة احتوائهما من قبل طرف أو دولة بعينها وحدها؛ بالنظر إلى تحركهما في مناطق فراغ سكاني شاسعة في الصحراء حيث نشأ، على الأخص، "داعش". ولعل ذلك يتطلب إعادة صياغة للخطط الأمنية وتعديل قواعد الاشتباك وآليات المراقبة على الحدود، وإعادة الاعتبار أو توسيع الأردن لفكرة "الوسائد الأمنية"؛ عبر توسيع التواصل مع العشائر السورية والعراقية لتعزيز البيئة الطاردة للإرهاب، ولا سيما أنّ معركتي الموصل والرقة ستدفعان قيادة "داعش" وحلفاءه إلى استراتيجية تخفيف الضغط عن المركز وإشغال الأطراف، والمناطق الحدودية ضمن بنك الأهداف كما نرى. وفي الشهر الماضي انتشرت قوات أميركية برية قرب الطريق الدولي الذي يصل الأنبار بالأردن لتأمينه ضد هجمات متقطعة يشنها "داعش" الذي ما يزال يحول دون افتتاح معبر طريبيل.
والحديث عن الحالة الأردنية كنموذج إنما يسوّغه أن تواجد "داعش" أو هجماته على معابر طريبيل ونصيب وعرعر، صار مقروناً بالصراع على حدود الأردن الجنوبية مع مصر بين "داعش" والسلطات المصرية في سيناء. وقد سقطت في الأيام الماضية ثلاثة صواريخ على ميناء إيلات الإسرائيلي أطلقها التنظيم، وسقطتْ شظايا صدِّها على مدينة العقبة الأردنية.
المسؤولية المشتركة عن تأمين المعابر والحدود تصبّ في المساعي المطلوبة لإضعاف نزعات العنف المليشياوي والإرهابي. وهي مسؤولية لا تكتسب أهميتها للدواعي الأمنية المباشرة فقط، بل كذلك لما تخلقه من فرص اقتصادية؛ فلطالما كرر المسؤولون الأردنيون والعراقيون، مثلاً، أن فتح معبر طريبيل سيعمل على انتعاش الاقتصادين العراقي والأردني، وأن إقليم كردستان العراق سيشهد انتعاشاً ملحوظاً جرّاء ذلك؛ لأنه سيقلل من الاعتماد على التجارة عبر منفذي تركيا وإيران، ويسهّل مرور التجارة من دول شرق آسيا.

التعليق