العدالة الشافية.. وشهوات الانتقام

تم نشره في الجمعة 3 آذار / مارس 2017. 12:04 صباحاً

في بلادنا اليوم أحاديث عن الجرائم، وشكاوى من ضحاياها، ووصف لأنماطها وآثارها وأساليب ارتكابها. وقد عمل النظام الجنائي الأردني بكفاءة وفعالية لسنوات، قبل أن يجابه المجتمع تحولات ديمغرافية واقتصادية وتكنولوجية وقيمية أصبحت تلقي بظلالها على حجم الجريمة وأنماطها وإحساس المواطنين والمقيمين، وتدفع بالمجتمع إلى البحث عن الأساليب التي قد تساعدنا في تجاوز الأوضاع المقلقة.
في معظم أرجاء البلاد، تتلقى السلطات بلاغات عن جرائم وانتهاكات، تفوق إمكانات الأجهزة الأمنية على الاستجابة، الأمر الذي يضطرها إلى ترتيب أولويات استخدام مواردها.
وبعض المحامين يبني استراتيجية دفاعه على تكرار طلب التأجيل ونقص الأدلة وغياب أو تغيب الشهود، لإنهاك الخصوم وإيجاد ثغرات في الدعاوى تمكنهم من تحقيق مكاسب لموكليهم على حساب العدالة.
السجون الأردنية تعاني من الاكتظاظ وارتفاع كلفة الإيواء والرعاية والأمن، إضافة إلى تعطيل طاقات آلاف الأيدي الشابة ومعاناة أسرهم والمعتمدين عليهم. فاليوم، يقضي العقوبة خلف قضبان مؤسساتنا الإصلاحية آلاف الرجال والنساء ممن ارتكبوا أفعالاً معادية للمجتمع أو وقعوا ضحايا للأزمات الاقتصادية التي دفعتهم للإفلاس والاستدانة والتقصير في الوفاء بالتزاماتهم المالية.
مئات القضاة وعشرات المدعين العامين وعشرات الآلاف من رجال الشرطة، ينهضون بمهمات نظام العدالة الجنائية الذي نتطلع له لتحقيق العدالة وتدعيم الاستقرار وخلق بيئة آمنة تدفع الجميع للعمل والاستثمار والإنجاز بمستوى من الراحة والاطمئنان اللتين يتطلع إليهما المواطن والمقيم.
الشعور العام بحاجة البلاد إلى تطوير نظام العدالة وتخليصه من بعض المعوقات، أسهم في تشكيل اللجنة الملكية لتطوير وإصلاح القضاء في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. اللجنة التي ضمت في صفوفها عددا من رجال القانون والفكر والسياسة. وقد جاء تقرير اللجنة في ما يزيد على 280 صفحة، وخلص إلى تقديم 49 توصية تعالج الأوضاع القائمة من خلال وضع التشريعات والإجراءات والتدريب والتكنولوجيا ونظام التقاضي وسلطة القضاة والمحاكم، بما يعكس الكثير من الجهد والأفكار التي قد تشكل انطلاقة مهمة لتطوير نظام العدالة.
وإضافة إلى أهمية كل ما شمله التقرير، تبرز الحاجة إلى نظرة شمولية إلى أوضاع الجريمة والعدالة في البلاد، تتناول أشكال وأنماط الجريمة واتجاهاتها الجديدة. والفساد وأساليب معالجته، وأثر ذلك في زيادة أو نقص الجريمة. والبحث في موضوع بدائل الحبس ووجود اقتراحات عملية على هيئة أفكار لبرامج. ودور المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى الإفادة من الخصائص الثقافية للقضاء العشائري وإدماجه في البناء التشريعي.
من المعلوم أن الجرائم التي ترتكب أكثر بكثير مما تفصح عنه البيانات الرسمية؛ فلا الناس يبلغون عن كل ما يقع عليهم من اعتداءات، ولا كل الشكاوى يتم تسجيلها وتحويلها إلى النيابة العامة والمحاكم.
العدالة الشافية لا تتحقق بما نقوله عن أنفسنا بل من خلال قناعة وتيقن الأطراف بصحة الإجراءات المتخذة من قبل وكلاء نظام العدالة من لحظة وقوع الفعل إلى لحظة إعادة الحقوق لأصحابها وتعويض المجني عليهم، ماديا ومعنويا، وهو ما لا يتحقق من دون سرعة التقاضي واستقلالية القضاة وعدالة الأحكام، عندها يتم التسليم بسيادة القانون.

التعليق