محمد أبو رمان

مجرّد دردشات مريرة!

تم نشره في الجمعة 3 آذار / مارس 2017. 01:10 صباحاً

تزايد حالات الانتحار بصورة ملحوظة في الآونة الأخيرة، يدفع إلى التفكير بصورة معمّقة أكثر في الأسباب الكامنة وراء ذلك، بخاصة في مجتمع محافظ تقوم ثقافته الدينية على "تحريم الانتحار" واعتباره قتلاً للنفس بغير حق؛ فهل ما يحدث يعكس تحولاً جوهرياً في الثقافة الاجتماعية، أم أنّه استجابة مباشرة لضغوط مجتمعية، على الأغلب ذات طبيعة اقتصادية، مرتبطة بالبطالة وانعدام فرص العمل والضغوط المالية على شريحة اجتماعية واسعة؟
على كلّ الحالات، من يعاين معدل الانتحار والقصص التي نواجهها يومياً، والتحولات في طبيعة الجرائم والتحولات الاجتماعية وانتشار المخدرات، والفجوة الطبقية، وانتشار التكنولوجيا الذكية بصورة عارمة، حتى أصبحت في متناول الأطفال الصغار، تحمل في داخلها معالم ثقافة جديدة وتحولات كبيرة، تتزاوج مع تحولات موازية لسياسات الدولة بالتخلي عن التوظيف والسياسات الرعائية، والانتقال إلى السياسات الليبرالية، والاعتماد على القطاع الخاص لتوفير الوظائف، كل ذلك يعني أنّ الحياة المتسلسلة الهادئة لشريحة اجتماعية واسعة، من المدرسة إلى الجامعة ثم مؤسسات القطاع العام والدولة، أصبحت غير متوافرة، وعلى الشباب الصراع مع الظروف الاقتصادية من أجل تأمين أقساطهم الجامعية، ثم الحصول على فرصة عمل، تعتمد على قدر كبير من التنافس والإمكانات!
إذاً، المجتمع الأردني يشهد تحولات اجتماعية وثقافية ونفسية عميقة، بفعل العوامل السابقة. ومن الضروري أن تترافق مع بناء مقاربة إرشادية منهجية من قبل العلماء والمتخصصين، وحتى الإعلام، للتعامل معها والإجابة عن أسئلة عديدة أصبحت مطروحة؛ كيف نتعامل مع الضغوط المالية الكبيرة، ونتكيّف معها استهلاكياً؟ ما هي أولويات المواطنين من الدولة؟ كيف نتعامل مع الانعكاسات الاجتماعية والثقافية لوسائل التواصل الاجتماعي، بخاصة ضمن نطاق العائلة؟ كيف يمكن اكتشاف إرهاصات التحولات النفسية المقلقة نحو الاكتئاب، والتطرف، والتفكير في الانتحار، وتعاطي المخدرات في المدارس والجامعات؟ ما هي الأعراض والعلامات المرتبطة بتلك التوجهات لدى الشباب؟
هناك علم مهم وأساسي في الطب وفي الحياة الاجتماعية اليوم اسمه "الصحّة النفسية" ما نزال غير معترفين به في الأردن؛ إذ ما يزال عدد الأطباء النفسيين الأردنيين المتخصصين الذين يزاولون المهنة 40 طبيبا فقط، لأحد عشر مليون إنسان (مواطنين ولاجئين وعاملين) يقيمون في البلاد، بينما في كلّ من إسرائيل وتشيك، اللتين يبلغ عدد السكان في كل منهما 6 ملايين نسمة، هناك قرابة 1200 طبيب نفسي ممارس. ذلك بالرغم من كل ما تحدثنا عنه من تحولات اجتماعية وثقافية وانعكاسات نفسية، ومعدلات الانتحار والمخدرات والبطالة والفقر والتطرف، التي تمثّل عموماً ضغوطاً كبيرة على السكان.
صحيح أنّ ثقافتنا الاجتماعية تتعامل بحساسية وحذر شديد مع "الطب النفسي"، وكأنّه مرتبط فقط بحالات معينة، مثل الجنون والأمراض النفسية التي وصلت إلى مرحلة متقدمة، لكن من الضروري أن نغير هذه النظرة ونعيد الاعتراف بأهمية العلاج النفسي، بداية من قبل الدولة في التعامل مع الحالات السابقة، وتشجيع الجامعات والمواطنين على "سدّ النقص" الحالي!
بالتزاوج مع النقص الحادّ في المرشدين النفسيين والأطباء المتخصصين، لدينا قصور مرعب وفظيع في الدراسات الاجتماعية الدقيقة التي ترصد هذه الظواهر وتحلل العوامل الكامنة وراءها وتضع دراسات دقيقة وتوصيات. وهنالك قصور أكبر في جسور التواصل بين الدولة والباحثين والمتخصصين في هذه المجالات، فيما تضم أغلب الجامعات الأردنية أقساماً للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وآلافاً من الطلبة، وعدداً كبيراً من الأساتذة، لكن الإنتاج المعرفي المفيد في التعامل مع ما يحدث يكاد يكون "عملة نادرة"!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ولله في خلقه شؤون (محمد عوض الطعامنه)

    الجمعة 3 آذار / مارس 2017.
    لعل استنباط حلول مجدية ،وإيجاد دراسات وازنه في هذا المجال لتثقيف الناس بضرورة ايلاء الصحة النفسية اهتماماً اكبر . بتموضع قناعة عند العامة مفادها : أنّ من يراجع العيادة النفسيه مجنون ! وفي غياب توعية صحيه كافيه توصل ثقافة أنّ المرض النفسي لا يختلف عن الأمراض الأخرى ويمكن معالجته والشفاء منه .
    من تجربتي مع صديقي الذي يعاني من الإكتآب الدائم ، نصحته بمحبة وإلحاح ان ارافقه لزيارة احد الأطباء النفسيين ،ولما وافق وزار الطبيب التقيته وكدت ان اتعقد عندما كانت ردة فعله غاضبة واعلمني انه ذهب الى الطبيب مكتئباً وخرج من عيادته مجنوناً!! قال هذا عن قناعة ظالمه للعلم والعلماء ... ولله في خلقه شؤون .
  • »الفقر ليس سببا للانتحار (غالب الدقم حواتمه)

    الجمعة 3 آذار / مارس 2017.
    يهولون ويدفعون بان الفقر هو المسبب الرئسي للانتحار وهذا غير صحيح والا لشاهدنا الالاف يوميا ينتحرون في مختلف بلاد العالم فالاوضاع المعيشيه في مصر اسوا منها الف مره عما هي عليه في الاردن ولم نسمع عن عمليات انتحار بسببها اما في مدينة نيويورك فهناك الاف المشردين المعوزين الذين ينامون في سنترال بارك وتحت الجسور وعلى اطراف الشوارع في صناديق الكرتون ولا ينتحرون ومن ناحيه اخرى فهناك اكثر من مليون وافد يعملون في مهن يستنكف عنها الاردني ويعيشون ويحولون ملايين الدولارات الى اهاليهم في الخارج ولا ننكر سوء الاوضاع الاقتصاديه في الاردن والغلاء الفاحش الذي يفتك بمداخيل المواطنين والضراءب والرسوم المرتفعه التي تفرضها الحكومه لسد العجز في الميزانيه بسبب المديونيه التي يرزح الاردن تحتها الناتجه عن السياسات الاقتصاديه الخاطئهالتي مارستها الحكومات المتعاقبه والتي يربدون تحميل وزرها للمواطن .
  • »"صراع المعايير" (يوسف صافي)

    الجمعة 3 آذار / مارس 2017.
    ان جاز لنا التعليق فهذا مرض اصاب مجتمعنا تتوافت درجاته بحدود ما اصاب منظومة المعرفة المجتمعية وروافعها المتحركة من قيم وثقافة وعادات وتقاليد وثابتها العقيدة ؟؟وجل اسبابه الوافد الينا دون استئذان وفلترة وتمحيص والأنكى المملى من قوانين ومنظمات تحت مسميات مزركشة مصطلحاتها (باطنها السم والدسم ) والغير متوائمة مع منظومة المعرفة المجتمعية حتى اصبح حالنا قاب قوسين اوادنى من الجهل ب ال "انا" و"الغير " و"مايدور حولنا " بمعنى فقدان الناظم للسلوكيات ولوجا الى مرحلة الإنفصام بشقيه ودرجاته "الصراع مع الذات "واو مولد العنف والصراع مع الغير"؟؟؟ والمتابع يجد النسبة حيث استفحال المرض في الفئة الشابة نتيجة تعايشها واستفحال الأسباب التي تم ذكرها ؟؟ التي تصل بالصراع مع الذات الى اعلى درجاته وعدم القدرة على التحمل المؤدي الى الإنتحار ؟؟؟وما زاد الطين بله انتقال الصراع مابين النخب بكل مسمياتهم اعلامية واكادمية واقتصادية وسياسية وتربوية ومثقفين ودينية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني؟؟جهلا واوتبعية واوتقليد للغيرمولدة سياسة راس روس "كل واحد بدو على راسه ريشه؟؟؟ (انظر كثرة اللجان االمشكلّة من الخبراء والمستشارين في المجالات المتعددة والمحصلّة تيتي تيتي محل مارحتي جيتي) الحل يحتاج اعادة التوازن لمنظومة المعرفة المجتمعية وترميم روافعها مما اعتراها من تغول واحداثيات وقوانين غير متوائمة معها اولا ويتطلب ذلك خبراء وعلماء ورجال دين من ذوي الإختصاص ممن لم يطاولهم ذات المرض ؟؟ ووضع استراتجية شاملة يتم من خلالها العلاج الفوري وتزامنا مع ذلك تشكيل مظلّة واقية يتم من خلالها حماية المنظومة من كل وافد وجديد غير متوائم مع روافعها ؟؟؟مهما طال الوقت والتضحية وان تم تفعيل جزء من المناعة في الوقت الحاضر سيخفف من آثار المرض والأهم نحمي الآجيال القادمة ؟؟؟ ولنا من موروثنا نبع العلاج "حيث كنا خير امة اخرجت للناس" عندما توحدنا متلحفين بتشريع ديننا السمح " ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم "
  • »حالات الانتحار انخفضت في سنة الربيع العربي (بسمة الهندي)

    الجمعة 3 آذار / مارس 2017.
    اضافة وملاحظة سريعة لاغناء مقالك أستاذ محمد؛ تراجعت حالات الانتحار عندنا في سنة الربيع العربي 2011 لتعود وترتفع من جديد في 2012 وبشكل لافت، وهي في ارتفاع من حينها. علاقة الأمل بتراجع أعداد الانتحار.