رحلة تحوّل النفايات الزراعية إلى منتجات مبتكرة في مصر

تم نشره في الثلاثاء 7 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

فريق المحتوى في "حوار الشرق الأوسط"

مخلفات ذرة تتحول إلى وقود حيوي أو ألواح؛ مخلفات سعف النخيل تستخدم من أجل إنتاج الكارينا؛ مخلفات قصب السكر تتحوّل إلى أسمدة عضوية؛ مخلفات زراعية أخرى يتم تحويلها إلى أعلاف حيوانية... هذه ليست إلا بعضا من الأمثلة التي تكشف كل ما نستطيع القيام به من أجل إعادة تدوير مخلّفاتنا الزراعية.
في عصر أدرك فيه الناس أهمية عمليات إعادة تدوير كل ما نستهلكه، ازداد عدد الشركات التي تهتم بهذا المجال، علّها تُساهم في استدامة أرضنا وتقليص التلوث البيئي. وليست المنطقة العربية استثناءً، حتى لو أنها متأخرة بعض الشيء عن الدول الأخرى. وفي هذه المقالة، نتوجه إلى مصر لنسلط الضوء على أبرز المبادرات التي تهتمّ بإعادة تدوير المخلفات الزراعية، وبالأخص النخيل.
بحسب دليل تدوير المخلفات الزراعية الذي أصدرته، العام 2010، وزارة الدولة للشؤون البيئية المصرية، "تعتبـر المخلّفـات الزراعيـة ثـروة يجـب الحفاظ عليها. ويرجـع ذلـك إلـى أن مصـر تعتبـر مـن الـدول الفقيرة في مـا يسـمى طاقـة "الكتلة الحيوية" (Mass-Bio)، وهـي عبـارة عـن الأشجار والغابات والمخلفات النباتية؛ إذ إن المساحة المزروعة من مصر لا تمثل إلا 4 % من قيمـة  المساحة الكلية لمصر، وبالتالي فـإن حـرق هـذه المخلّفـات الزراعيـة يعتبـر إهـداراً لطاقة جديدة متجددة".
كثيرة هي أنواع المخلفات الزراعية؛ من المخلفات الإنتاجية النباتية، إلى مخلفات التصنيع الزراعي، مروراً بالمخلفات المختلطة. وجميعها يُمكن الاستفادة منها بطرق متنوعة، مثل إنتاج العلف والبروتين الغذائيّ والوقود الحيوي والخشب والمنتجات اليدوية.
"جذور": من مشروع جامعي إلى شركة لإعادة تدوير "جريد نخيل البلح"
يخبرنا محمود الأمير، المتخصص في تطوير الأعمال، أنّ "قصة جذور" بدأت منذ حوالي 4 سنوات مع مجموعة طلبة في قسم الهندسة في جامعة عين شمس، أثناء العمل على مشروع تخرجهم في تصميم ماكينات لإعادة تدوير المخلفات الزراعية وإدخالها في منتجات متنوعة.
وبعد التخرج، قامت مجموعة الشباب بإنشاء شركة "جذور" تحقيقاً لمجموعة من الأهداف التي عددها لنا الأمير: استغلال الموارد المهدرة في أهم الصناعات الممكنة، وإيجاد بديل محلي للأخشاب المستوردة، وإبراز الحلول المستدامة البديلة، والحد من التلوث البيئي الناتج عن حرق المخلفات الزراعية، وإيجاد فرص عمل لأهل القرى.
ويخبرنا الأمير: "بدأت رحلة جذور تحقيقاً لمهمتها في استغلال مورد "جريد نخيل البلح" المهدر، لإنتاج ألواح خشبية، ومنها منتجات نهائية بجودة عالية وشكل متميز وطرحها بالأسواق". ويضيف أنه يوجد في مصر حوالي 15.5 مليون نخلة، ويقدر متوسط الجريد المهدر من النخلة الواحدة بحوالي 20 كيلوغراما، أي نحو 375 ألف طن سنوياً؛ يتم استغلال حوالي 10 % فقط منها والباقي في الغالب يتم حرقه. ويوضح: "لذلك، هناك فرصة كبيرة لوجود شركات عديدة مثلنا للقيام باستغلال هذه الموارد، فهذه الكميات تتجدد كل سنة بقدوم موسم تقليم النخيل".
ويشدّد الأمير على أن الأمر لم يكن ممكناً من دون فريق كبير من المزارعين والعمال وسائقي عربات النقل وحراس المصنع والمخزن، وشركائهم من مصممي الديكور وحرفييّ النجارة.
لكن، ما هي العملية المتّبعة من أجل إعادة تدوير النخيل؟ يشرح لنا الأمير: "تختلف تكنولوجيا تحويل المخلفات الزراعية إلى منتجات أولية بحسب نوع المخلفات؛ معظمها يتم فرمه وكبسه في ألواح أو مصبعات الوقود وغيرها من الاستخدامات. أما في حالتنا، فنحن نقوم باستخراج قلب جريد النخل من دون تغيير خواصه الميكانيكية والكيماوية، ومن دون فرمه وتغيير شكل أليافه، ما يحافظ على متانته وخواصه الطبيعية المقاربة جداً للأخشاب الطبيعية عالية الجودة. ثم نقوم بكبس قلب الجريد في ألواح بمقاسات متنوعة، وتالياً تُدخل هذه الألواح في صناعة منتجات نهائية باعتبارها خشبا طبيعيا ذي شكل مميز وطبيعي".
وتتنوّع هذه المنتجات النهائية؛ فنجد الأبواب وتجليد الجدران وأكسسوارات الديكور مثل الساعات وبراويز المرايات وغيرها. وهنا يضيف الأمير: "نستهدف بالأساس مكاتب الديكور والتصميم الداخلي، بالإضافة إلى تجار الأكسسورات المنزلية".
ويسعى القائمون على "جذور" حالياً إلى إثبات قدرة خشب جريد النخل على المنافسة بجودته ومتانته وشكله المميز، سواء في السوق المحليّة أو الخارجية، ولا سيما الخليجية منها التي تهتم بقيمة النخيل أكثر من غيرها.
"نباتا" تحوّل عرجون النخيل
 إلى منتجات صديقة للبيئة
"الدافع الرئيس وراء إنشاء شركة "نباتا" هو مساعدة مديريتي الزراعة والبيئة في التخلص الآمن من مخلفات النخيل التي تعتبر ثروة قومية لمحافظة أسوان، حيث يبلغ تعداد النخيل فيها مليونا وثمانمئة ألف نخلة، تنتج 105 آلاف طن من المخلفات سنوياً، تُسبب الكوارث البيئية والزراعية للمحافظة"؛ بهذه العبارة يُعرّف إسلام ياسين، المؤسس، عن شركته. مضيفاً أنه يسعى أيضاً إلى "توفير فرص عمل حقيقية، وخاصة للفتيات والسيدات، في المناطق الأكثر تهميشاً واحتياجاً في صعيد مصر".
وبالفعل، تظهر مساعدة وتمكين السيدات في صعيد مصر في فريق العمل المؤلف من 36 فتاة وسيدة، يعملْن، بحسب ياسين، "في وحدات إنتاجية. إذ تم تأهيلهنّ وتدريبهنّ فنياً وتقنياً واجتماعياً أيضاً، لكي يتمكنّ من العمل لدى "نباتا" بأسلوب علمي منظّم، بالإضافة إلى ثلاثة منهنّ يعملْن في التسويق والبيع".
ويعود بنا ياسين إلى الوراء، وتحديداً إلى آذار (مارس) 2015 عندما بدأ يُنفّذ حلمه بتأسيس "نباتا"، ليخبرنا أن أهدافه تبقى "إحياء وتنمية هذه الصناعات، وتحويلها إلى مشروع مؤسسي قادر على المنافسة والاستمرار وتشغيل أجيال جديدة بعد تدريبها، وتقديم الخدمات كافة لها، وزيادة دخل الأسر والارتقاء بمستواها مادياً بتوفير فرص عمل للأكثر احتياجاً في المشروع، وزيادة التصدير للخارج بما يساعد على إدخال العملات الأجنبية لمصر ونشر الهوية المصرية التراثية، وإشباع السوق المحلية والعالمية بالمنتجات اليدوية، والتخلص الآمن من 30 % من مخلفات النخيل بالمحافظة عليها وتحويلها من مشكلة إلى مورد".
أما في ما يتعلق بطريقة معالجة النفايات، فيخبرنا ياسين أن كل الخطوات يدوية ولا تتّبع تكنولوجيا. ويضيف أن العملية تبدأ "بمرحلة التقشير، فالتجهيز، ثم المعالجة بتعرّضها للماء والشمس تحت درجة حرارة معينة ولوقت معين، ثم يتم شدّها على النول". وهنا لا بد من الإشارة إلى أن "نباتا" تُعيد تدوير جزء محدد من النخلة، ألا وهو "العرجون"؛ أي الجزء الحامل للتمور.
وبعد هذه العملية اليدوية، تتحول النفايات إلى منتجات يدوية يستهويها كل المهتمين بهذا النوع من المنتجات داخل مصر، إضافة إلى السياح المهتمين بالتراث الحضاري. وهنا يخبرنا ياسين: "خلال العام 2016، قمنا بإعادة تدوير 180 طنا من النفايات، وبيع 2400 قطعة في العام ذاته".
ويشير ياسين إلى أن اختيار هذا النوع من النفايات الزراعية يُعزى إلى أنها تُمثل "مشكلة كبيرة وملحة في محافظة أسوان، وتمسّ العديد من القطاعات والأشخاص، وتؤدي دوراً مهماً في الدخل القومي للمحافظة". ويتابع: "نأمل في إنشاء مساحة عمل مشتركة تضم العديد من الحرفيين والمبدعين والمصممين في مجال الصناعات اليدوية الصديقة للبيئة، لكي تصبح مركزاً بحثياً وإنتاجياً عالمياً".
نفايات النخيل وعملية إعادة التدوير المستدامة
يتّفق كل من ياسين والأمير على استدامة مشاريعهما. فيقول الأمير: "تعتبر شركتنا مبادرة مستدامة بالطبع، لأنها تتعامل في الأساس مع مورد متجدد؛ نخيل البلح لا يمكن أن يثمر إن لم يتم تقليمه بقطع الجريد في كل موسم، من دون أن ننسى أن بلادنا العربية مليئة بملايين أشجار النخيل". من جهته، يؤكّد ياسين أنّ "الشركات التي تعمل في إعادة تدوير النفايات لديها الفرصة الأكبر للاستدامة، حيث الريادة والابتكار والإبداع الدائم. بالإضافة إلى أنها تعمل على تفعيل دور الحماية الاجتماعية والعدالة المجتمعية".
استدامة أكيدة وإنما بثمن؛ فالتحديات التي يواجهها رواد الأعمال الذين يخوضون هذا المجال ليست قليلة. هنا يقول ياسين إنهم واجهوا العديد من التحديات التي تغلّبوا عليها؛ "بداية من ثقافة الأشخاص في صعيد مصر وعدم تقبلهم لفكرة من يعمل في إدارة النفايات، مروراً بتشكيل فريق العمل وتأهيله فنياً واجتماعياً، وصولاً إلى ندرة الأبحاث والدراسات التي من الممكن أن تساعد على النمو بشكل أسرع، وأخيراً التمويل والتسويق". من جهته، يشير الأمير إلى أن أهم التحديات التي واجهتهم كانت "صعوبة طرح خدمة جديدة وإثبات فاعليتها في السوق، بالإضافة إلى عدم توافر مصادر سابقة للاستفادة منها، ما اضطرنا إلى الاعتماد على التجربة والخطأ لمعرفة طرق العمل الأفضل".
لكن على الرغم من ذلك، يؤمن الأمير وياسين بأهمية الدور الذي يضطلع به رواد الأعمال في منطقتنا العربية لتطوير مجال إعادة تدوير النفايات الزراعية بكل أشكالها. إذ يقول الأمير: "نحن نعتقد أن دور الشركات الناشئة العاملة في استغلال موارد مهدرة وتحويلها إلى منتجات أساسية بديلة عن المستوردة، هو دور رئيس ومحوري في دعم الاقتصاد المحلي الذي يواجه الكثير من العوائق حاليا فيما يتعلق بالاستيراد وأزمات العملة الصعبة وغيرها... هذه الطريق ستساعد بشكل أساسي في فتح محاور جديدة للعمل في القرى والمدن، ما يساهم في حل مشاكل البطالة التي نعاني منها جميعاً". وهو أمر يؤكد عليه ياسين، مشيراً إلى أهمية دور رواد الأعمال في تثقيف المواطنين حول أهمية النفايات كمورد لا مشكلة، وفي تقديم نموذج جيد لاستثمارها، وفي نشر ثقافة استخدام الصناعات الصديقة للبيئة.

التعليق