"زيت زيتون".. مطبخ سوري في القاهرة

تم نشره في الثلاثاء 7 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً
  • تريسكا حميد متخصصة في قضايا وشؤون الشرق الأوسط

تريسكا حميد*

*متخصصة في قضايا وشؤون الشرق الأوسط

في إحدى ضواحي القاهرة، تستعد مجموعة صغيرة من النساء السوريات لليوم المقبل؛ إذ يتجمعن في المطبخ لخبز المعجنات وتقطيع وقلي وتحضير الطعام على الطريقة السورية. يخيم الصمت على المكان نسبياً، باستثناء صوت السكاكين على لوح التقطيع الخشبي وفرقعة الزيت المغلي الذي تُقلى فيه الكبة. بالنسبة للكثيرين، يعد الطبخ عملاً يومياً روتينياً، لكن بالنسبة لهؤلاء النسوة، هو مشروع تجاري.
فما بدأ كمشروع جانبي للاجئة السورية القادمة من دمشق، لينا كساح، أصبح الآن مؤسسة اجتماعية توظف اللاجئات السوريات اللاتي يعشن في القاهرة. فقد أُطلق مشروع "زيت زيتون" (ZeitZeitoun) خلال شهر رمضان من العام الماضي لتزويد هؤلاء النسوة بمصدر جيد للدخل، وغرس الشعور بالتمكين في نفوسهن.
تقول لينا التي وصلت إلى القاهرة مع زوجها وأطفالهما الثلاثة في آذار (مارس) 2013: "لم يكن لدينا شيء عندما جئنا إلى مصر. وقد أثر علينا هذا نفسياً. إذ أصيب زوجي بالمرض، لكنه لم ينقطع عن العمل من أجل كسب قوت عائلتنا. واضطر ابني إلى ترك دراسته للحصول على وظيفة".
كانت لينا تعمل في السابق مديرة مكتب في إحدى شركات العلاقات العامة في دمشق، وسرعان ما وجدت عملاً مع لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كباحثة اجتماعية. وهي الوظيفة التي جعلتها على اتصال دائم بمواطنيها اللاجئين. وقد توصلت إلى فكرة إعداد الطعام للمناسبات الأسرية واستعانت باللاجئات السوريات لتقديم تلك الخدمة.
كنّ يقمن بإعداد وجبات الطعام في منازلهن، ومنزل لينا التي استأجرت سيارة "فان" صغيرة لجمع الطلبات وتوصيلها بنفسها. وهو ما جعلها على اتصال مباشر بالعملاء. وعندما كانت توصل بعض الأطباق لإحدى حفلات أعياد الميلاد في العام الماضي، التقت تمارا الرفاعي.
تقيم تمارا في القاهرة. وهي ناشطة من أصل سوري تعمل في مجال المساعدات الإنسانية، وقد ساعدت في إنشاء مشروع "زيت الزيتون". إذ ساعدت في جمع 25000 جنيه كانت مطلوبة لاستئجار مطبخ صغير وشراء المعدات اللازمة لتحويل شركة لينا البدائية إلى شركة احترافية.
أشارت لينا إلى سبب اختيارها لاسم "Zeit Zeitoun"، بأن غصن الزيتون يرمز للسلام والازدهار، ولأن سورية تشتهر بوفرة هذا "الذهب السائل".
وعن مراحل المشروع تقول تمارا: "في بداية المشروع، أخذنا شهراً كاملاً في إعداد الوصفات بطريقة التجربة والخطأ، لأنك إذا وضعت سبعة نسوة سوريات في مطبخ واحد، بالإضافة إلى ثلاثة غرباء –أنا وأمي وصديقتها- فسوف تحتاج إلى مفاوضات للسلام من أجل التوصل إلى توافق في الآراء بشأن مقدار عصير الليمون الذي يجب إضافته، أو ما إذا كان يجب سكب دبس الرمان في بداية أم في نهاية عملية صنع صلصة الطماطم!".
وقد أجرى فريق العمل تجاربه، وقرر الوصفات النهائية التي سيعتمدونها في مطبخهن والكميات من كل منها.
في هذا الصدد تقول تمارا: "قضينا شهراً كاملاً في تذوق الأطعمة ووضع المعايير". وتضيف: "أصعب الأمور في العمل بالمطبخ ضمان التجانس في العمل؛ إذ لكل امرأة ذوقها الخاص وحلولها السريعة في حال وقوع خطأ. كان علينا أن نتأكد من تقديم المذاق نفسه في كل مرة من دون أي مجال للمفاجآت، بغض النظر عمن تتولى طهو الطعام".
تعمل في مشروع "زيت زيتون" حالياً سبع نساء، يعتبر بعضهن المعيل الرئيس لأسرهن. وعند تعيين إحداهن، تُعطى الأولوية للنساء اللواتي فقدن أزواجهن أو الأمهات المعيلات.
وفقاً للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، استقبلت مصر ما يقرب من 120 ألف لاجئ سوري. ومن الصعب الحصول على فرصة عمل على وجه العموم مع استمرار الأزمة الاقتصادية في البلاد في أعقاب ثورة "25 يناير" 2011. وفي ظل هذه الظروف، لجأ العديد من السوريين إلى الأعمال اليدوية منخفضة الأجر، في حين أنشأ آخرون مطاعم للشاورما والدجاج المشوي. لكن معظم من يعمل في هذه الأماكن من الرجال، ونادراً ما تتاح الفرصة للنساء للعمل بتلك المشاريع.
ويخلق مشروع "زيت زيتون" إحساساً بالقيمة لدى هؤلاء النسوة، ويتيح أمامهن مصدراً للرزق يمكن أن تستفيد منه أسرهن. إذ يكسبن ما يعادل متوسط الأجور في مصر، والذي يبلغ حوالي 100 جنيه في اليوم. ولكنه ليس وسيلة لكسب المال فحسب، بل يمثل المشروع نظاماً لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمجموعة من النسوة اللواتي اضطرتهن الظروف إلى بدء حياتهن من جديد.
وهو ما أعربت عنه لينا قائلة: "غادرنا سورية ليس لأننا أردنا ذلك، ولكن لأننا أرغمنا على ذلك. وظللت مصابة بالاكتئاب لمدة عام كامل من دون أن أبرح المنزل، حتى زاد وزني، ووقع زوجي ضحية المرض. لقد كنا نتمتع بمستوى معيشي معين في سورية فقدناه عندما غادرنا". وكانت أفضل طريقة للتغلب على الاكتئاب أن "أعمل، وأعيش حياتي، وأرى الناس".
إنها قصة مماثلة لقصص غيرها من النساء. فها هي حسناء، التي كانت تعيش في داريا بضواحي دمشق، والتي فرت مع أولادها الثلاثة وزوجها في العام 2013، بعد أن نجوا في تمام الثامنة صباحاً من القصف العشوائي لمنطقتهم، تقول: "لم نحزم إلا ما كنا نرتديه وغياراً واحداً من الملابس، عدا ذلك تركنا كل شيء وراءنا". قادوا سيارتهم لما يقرب من 12 ساعة للوصول إلى صحنايا، حيث مكثوا لمدة ثلاثة أشهر في شقة صغيرة لا يدخلها ضوء الشمس. وهناك قرروا الهرب إلى مصر. باع زوجها سيارته لدفع ثمن جوازات السفر، وشقوا طريقهم إلى الأردن حيث سافروا بالحافلة إلى ميناء العقبة. وتردف: "كان علينا أن ننام على متن الحافلة. وكنا قد اشترينا بعض الأطعمة المعلبة، ونستخدم الحمامات في كل محطة".
أخيرًا انتهت الرحلة التي امتدت لثلاثة أيام متواصلة عندما التقوا مع بعض أفراد الأسرة الذين سبقوهم إلى القاهرة.
تقول حسناء عن مأساتها: "لقد تركت قلبي في سورية. لم أكف عن البكاء طوال الرحلة".
في سورية، كان زوج حسناء يمتلك مطعم فلافل، والآن في مصر يعمل في مطعم فول وفلافل. وتضيف قائلة: "لم نكن مضطرين إلى استئجار منزل في سورية، وكان نمتلك محلنا. لكن الضغوط المالية لحياتنا في سورية أجبرتنا على الفرار. كان الأمر صعباً للغاية ومأساوياً في البداية، لأن زوجي لم يتمكن من العثور على عمل. وقد بعت مجوهراتي للمساعدة في مصاريف المعيشة حتى وجد زوجي عملاً".
في حين أن كل النساء مايزلن يحتفظن بأمل العودة إلى سورية يوماً ما، فإنهن يقلن إن المصريين لعبوا دوراً حيوياً في رفع روحهن المعنوية ومساعدتهن على بدء حياة جديدة، والعمل في "زيت زيتون" يتيح لهن فرصة البقاء على اتصال بمجتمعاتهن وتراثهن.
تأتي النسوة في الصباح ويبدأن إعداد الأطباق المطلوبة. ويبلغ الحد الأدنى للطلبية الواحدة 400 جنيه، ويحصلن على ما لا يقل عن طلبية أو اثنتين من الطلبيات الكبيرة كل يوم، وفقا للينا، والتي يجب طلبها قبل 48 ساعة على الأقل. وتبلغ الطلبيات ذروتها خلال الأعياد والمناسبات، مثل عيد الفطر. وتشمل قائمة عملائهن السفارات والشركات والأسر. ومن أشهر الأطباق التي يقدمنها وأكثرها شعبية، الكبة والسمبوسك والأوزي.
وتشمل الأطباق الأخرى التي يقدمنها، شيخ المحشي والكبة اللبنانية، وهي الأطباق الشعبية في بلاد الشام. وهي تختلف تماماً عن المأكولات المصرية التي لا تستخدم الكثير من اللبن أو دبس الرمان.
وكانت الطلبيات تتدفق عليهن من خلال التسويق الشفوي، ووجودهن على شبكات التواصل الاجتماعي. لكن مشروعهن تأثر بشدة بالموجة الأخيرة من التضخم التي عصفت بالاقتصاد المصري وضعف العملة المحلية، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة المكونات وخدمة توصيل الطلبيات.
في هذا الصدد تقول لينا: "انخفض هامش الربح لدينا بسبب ارتفاع أسعار المكونات، لذلك كان علينا أن نرفع الأسعار قليلاً".
يحقق المشروع ما يكفي من الربح لتغطية تكاليفه ودفع أجور العاملات فيه. ويتمثل الهدف النهائي بتوسيع نطاق المشروع وتوظيف المزيد من النساء، وأن يتمكنّ يوماً ما من فتح مطعم خاص يقدمن فيه الطعام السوري الأصيل في القاهرة.

التعليق