مؤسسة "النيزك": السماء هي الحدود

تم نشره في الثلاثاء 7 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً
  • باميلا كسرواني متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية
  • طلبة فلسطينيون يحتفلون في ختام أحد برامج مؤسسة النيزك للتعليم المساند والإبداع العلمي - (من المصدر)

باميلا كسرواني*

*متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

جميعنا نعرف أن "النيزك" جُسيم صلب يضرب بالأرض ويُحدث تغييراً. ولهذا السبب، اختارت المؤسسة الفلسطينية هذا المصطلح اسماً لها، كونها تطمح إلى إحداث تغيير إيجابي في المجتمع الفلسطيني بشكل أساسي، كما في العالم العربي. وتخبرنا سارة كحيل، مسؤولة العلاقات العامة في المؤسسة: "لقد اخترنا اسماً علمياً يعكس التركيز على ثقافة العلوم والتكنولوجيا ونشرها".
بالفعل، تطمح مؤسسة "النيزك" للتعليم المساند والإبداع العلمي، منذ بداياتها في العام 2003، إلى نشر حب العلوم والتكنولوجيا والهندسة وغيرها من القطاعات، من خلال التعليم والإرشاد والبحث، باعتماد وسائل مبتكرة وفريدة من نوعها.
وتقول كحيل: "في البداية، انطلقت المؤسسة كمبادرة من المهندس عارف الحسيني الذي أسسها بعد أن رأى أن كل الأولاد والصبايا في المجتمع الفلسطيني لا يحبّون العلوم والتكنولوجيا. بدأ يبحث عن السبب، ووجد أنه قد يكون مرتبطاً بطريقة تعليمها التقليدية جداً. حينها، بدأ يجول على مدارس القدس حاملاً حقيبة مليئة بالألعاب، مركزاً على ألعاب الطاولة وكل ما يركّز على التفكير الناقد والإبداعي ليَشرح المفاهيم المختلفة".
وتشرح كحيل عن هذه المبادرة التي تحوّلت إلى مؤسسة فلسطينية غير ربحية وغير فئوية، تملك فروعاً في القدس والخليل ونابلس وغزة وبيرزيت، شعارها "السماء هي الحدود"، قائلة: "ليس مجرد شعار، بل حقيقة؛ لأننا لا نعرف أي حدود حتى لأكثر الأفكار المجنونة. إذا كان تطبيقها ممكناً، سيجد كل طالب الدعم العلمي والمادي والتقني والمعنوي والإرشاد. ونحن نهدف دائماً إلى نشر ثقافة العلوم والتكنولوجيا واستخدام المعرفة لخلق ظروف اقتصادية أفضل للمواطنين".
برامج متنوعة.. لكل الأعمار
لا شك أن أبرز ما يُميّز مؤسسة "النيزك" هو تعدد وتنوّع برامجها التي تُحاكي كل محبيّ أو هواة العلوم والتكنولوجيا، أياً تكن أعمارهم أو قدراتهم. وتخبرنا كحيل: "لدينا سلسلة من البرامج مبنية كحلقة تبدأ من عمر 8 سنوات إلى الطلبة الذين يتخرجون من الجامعة". وتضيف أن كل البرامج مجانية، تمتد على مدار عام. في حين أن عملية اختيار المشاركين تختلف من برنامج إلى آخر؛ فبعضها يعتمد على تقديم طلبات مشاركة، وبعضها يتم بالتعاون مع وزارة التربية التي تختار المدارس والطلبة المشاركين.
وتبدأ بالحديث عن "حاضنة الطلبة الموهوبين" التي "تستهدف الطلبة بين 8 و9 سنوات، وتعمل على تطوير المهارات العلمية والتكنولوجية بفضل اللعب والمتعة، ليتعرفوا على مفاهيم لها علاقة بالعلوم والفيزياء والموسيقى".
وتنتقل إلى برنامج "الباحث الصغير" الذي يستهدف الطلبة بين 12 و14 سنة، ويهدف إلى تطوير مهارات البحث العلمي بغية إيجاد حلول لمشاكل قد يواجهونها في المجتمع. وهنا تقول كحيل: "بعد أن لاحظنا نجاح هذا البرنامج طورناه لُيصبح برنامج "بادر" الذي يهدف إلى بناء قدرات طلبة صفوف الثامن والتاسع في التفكير النقدي والإبداعي". وتضيف: "خلال السنوات الثلاث للبرنامج، تمّ استهداف 27 ألف طالب وطالبة، أغلبهم من مناطق مهمشة. كما طوّرنا بنى تحتية لتوفير مساحات آمنة وتفاعلية للطلبة من خلال ستة مختبرات للإبداع عالية التقنية".
ولكل الطلبة بين 15 و16 سنة، أطلقت "النيزك" برنامج "ستيب" (برنامج الريادة العلمية والتكنولوجية الفلسطينية الشابة) الذي اعتبرته كحيل أكثر برامج المؤسسة تخصصاً؛ إذ يعمل الطلبة الذين تختارهم لجنة تحكيم بناء على أفكارهم العلمية، طوال عام على إجراء الأبحاث وتطوير الفكرة والعمل على نموذج مبدئي والمشاركة في عدد من المنافسات التي قد تحملهم إلى الولايات المتحدة، حيث "يتعرفون على أشياء من التكنولوجيا والعلوم التي قد لا يتعرضون لها في فلسطين".
أما برنامج "صنع في فلسطين"، فتخصّصه "النيزك" لطلبة وخريجي الجامعات الذين يملكون أفكاراً يمكن تحويلها إلى خدمات ومنتجات وشركات، فستُساعدهم المؤسسة في البحث العلمي وتربطهم بمجتمع الأعمال والصناعة.
وتتابع كحيل، من دون أن تفقد أيا من حماستها وشغفها في التحدث عن كل من هذه البرامج بالتفاصيل: "آخر برامجنا هو برنامج "آفاق" الذي يستهدف بشكل أساسي طلبة القدس الطامحين إلى الدراسة في جامعات عالمية متميزة، من خلال تشبيكهم مع مرشدين لتطوير ملفّهم الدراسي، إضافة إلى برنامج تدريبي لتطوير مهاراتهم".
هذه إذاً مجموعة البرامج التي لا تُشكل إلا جزءاً من أعمال مؤسسة "النيزك" التي تُطلق وتشارك في العديد من المنافسات، وتنظّم باقة من ورش العمل المفتوحة للجميع، إضافة إلى توسيع شراكتها مع الوزارات الفلسطينية المهنية والمنظمات العالمية على غرار اليونيسيف واليونسكو، والقنصلية الأميركية في القدس، والاتحاد الأوروبي، وغيرها؛ شراكات تُساعد في استدامة المؤسسة غير الربحية.
إلا أن "النيزك" تسعى إلى تحقيق الاستدامة المالية، وتوليد الدخل الذاتي بفضل مجموعة من الخطوات. فتُنظم العديد من الدورات التعليمية والتدريبية التي تُحتّم على المشاركين فيها دفع رسوم محددة، إضافة إلى إنشاء "بيت العلوم والتكنولوجيا" قبل بضع سنوات في بيرزيت كخطوة أساسية لتوليد الدخل، ولمواصلة التشجيع على تعلم وتعليم التكنولوجيا في المجتمع الفلسطيني وتوفير المعرفة العلمية والتكنولوجية الحديثة بأسلوب عملي وتفاعلي. وتشير كحيل: "نطمح أن يكون بيت العلوم والتكنولوجيا أول متحف علميّ في فلسطين. وهو يفتح أبوابه لـ15 ألف شخص سنوياً". وهذا المتحف يتضمّن العديد من الأجنحة التعليمية، مثل جناح الفيزياء والفضاء، وجناح الكيمياء والدواء، وجناح الاتصالات". وتقول إن "شعارنا هو "يرجى اللمس"؛ لأننا نريد من خلال هذا البيت أن نُفهم زوارنا أن العلوم شيء قريب منهم".
نجاحات متواصلة وجوائز
أكثر من عشر سنوات مرّت على تأسيس "النيزك"، والبرامج ما تزال قائمة وفي تطور مستمر، والطلبة يلبّون النداء دائماً. وتخبرنا كحيل أن كل برنامج يستقطب عدداً مختلفاً من الطلبة، في حين أن المفاجأة تكمن في إقبال الفتيات. وهنا تقول: "نتفاجأ أن الفتيات أكثر المشاركين في هذه البرامج، لا بل لدينا مشكلة في استهداف الشباب. لا شك أن إقبال الفتيات نابع من رغبة إثبات أنهن قادرات على الابتكار والإبداع في مجال العلوم". إلا أنها تشير أن المؤسسة تواجه مشكلة استهداف الإناث ضمن برنامج "صنع في فلسطين". ويُعزى السبب، على حد قولها، إلى "أن البرنامج يستهدف خريجي الجامعات. وبالتالي، قد تكون الفتيات منهمكات بالعائلة ويخضعْن للضغوطات الاجتماعية التي لم يتخلّصن منها كلياً. وبالتالي التزامهن بمشروعهن الخاص صعب، ولا يملكن الجرأة الكافية لذلك".
هذه البرامج الكثيرة لا يمكن أن تستمر من دون فريق عمل متكامل، يتكوّن من المتخصصين والخبراء في مختلف المجالات العلمية، بما فيها العلوم التطبيقية والهندسة، إضافة إلى شبكة من المنسقين والميسرين في مختلف المحافظات الفلسطينية.
ولا شك أن هذا العمل الدؤوب وحب التعليم تكلّلا بحصول "النيزك" على العديد من الجوائز، مثل جائزة الإبداع العربي، وجائزة فلسطين للتميز والإبداع، وجائزة المرحوم عبدالعزيز الشخشير، وآخرها جائزة "تكريم" عن فئة الابتكار في التعليم 2016. وتقول كحيل: "هي تزيد العزيمة والإصرار وتجعلك تشعر بفخر أنك تنجز أشياء وتساهم في تطوير وسائل تعليمية وتوفير مساحات وتؤثر في حياة أشخاص مختلفين. وتؤكد الجائزة على أهمية ما نقوم به. فنحن نأخذ الجائزة كإثبات لما وصلنا إليه وأيضاً كتحد لنرى كيف نستطيع أن نتطوّر وما الذي يمكننا تقديمه للشعب الفلسطيني والعالم العربي.
لا شك أن مثابرة القائمين على مؤسسة "النيزك" وإصرارهم على أهمية العلوم والتكنولوجيا في المجتمع، ساهما في الاستدامة، على الرغم من كل التحديات التي غالباً ما تكون رفيقة هكذا مبادرات. وهنا تخبرنا كحيل: "التحديات كانت كثيرة في البداية، ولا سيما أنه في العام 2003، كان الجميع مركزاً على الانتفاضة، فيما أتينا لنتحدث عن التكنولوجيا والعلوم. وكان الناس ينظرون إلينا ويقولون "إنتو مزحة، مين بيحكي عن هذه الأمور في هذه الفترة"". وتضيف: "ثابرنا وبنينا سمعة عالية وجذبنا آلاف وآلاف الطلبة، وحصلنا على نحو 70 ألف متابع على "فيسبوك"، وانتشرنا في مختلف المناطق، وما نزال نطمح إلى تحقيق المزيد". وبالفعل، وضعت مؤسسة "النيزك" خطة استراتيجية لـ2020، تهدف إلى استثمار أكبر في المصادر الإنسانية، وتطوير "واحة الإبداع" في القدس؛ وهي مجمّع تعليمي يشمل مدرسة ومرصدا فلكيا ومكتبة علمية وغيرها.
ويبقى الأهم بالنسبة لكحيل "أن نكسر الصور النمطية بأنّ الشعب الفلسطيني لا يستطيع أن ينتج. فعلى الرغم من الصعوبات، لدينا شباب مبدع. ونرى ذلك في قطاع غزة بالأخص على الرغم من الحصار. هذا دافع إضافي لتحسين الظروف وابتكار وسائل تعليمية جديدة".

التعليق