ما هو التفكير الناقد؟

تم نشره في الثلاثاء 7 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

ما التفكير الناقد؟ هل تعرّفه المدرسة والجامعة في بلاد المسلمين: العرب وغير العرب؟ هل هو متداول فيهما أم أنه عملة نادرة لا يحصل عليها أحد؟
يتداول المطالبون بإصلاح التعليم - وأنا أطالب بتطويره- عدداً غير قليل من المصطلحات التي يجب إدخالها في التعلم والتعليم. ولعل التفكير الناقد أكثرها تداولاً، ولكن لا أحد يتوقف عنده ليشرحه، أو يُعرّفه، أو يدل عليه، وكأن الجميع متفقون على فهمه أو على مفهومه.
والحقيقة أن لدى الداعين إلى إصلاح التعليم اتفاقا ضمنيا على مفهومه، وهو استخدام العقل بحرية في البحث، أو في مناقشة القضايا، والمشكلات، والآراء والمواقف... ولدى أعداء الإصلاح اتفاق ضمني مضاد وهو تقييده بالنص وإخضاعه للنقل.
في ورشة حول هذا الموضوع عُقدت لمعلمي ومعلمات المرحلة الابتدائية في مديرية التعليم في مدينة جربنزبورو في كارولينا الشمالية بقيادة ريتشارد بول، فارس هذا التفكير، طلب من كل منهم ومنهن في نهاية الورشة، تقديم تعريفه للتفكير الناقد، وكانت النتيجة كما يلي (باختصار):
• التفكير الناقد عملية نحلّ بها المشكلات ونتخذ بها القرار.
• التفكير الناقد طريقة منظمة تساؤلية لما أسمع وما أقرأ.
• التفكير الناقد القدرة والرغبة في فحص جميع جوانب الموضوع.
•جميعنا نفكر، ولكن التفكير الناقد يعني أن نصبح  أكثر وعياً بكيفية التفكير، وبإيجاد طرق تمهد لتفكير واضح ومتماسك ومنطقي وأفضل معلومات.
• التفكير الناقد ضروري من أجل حياة سعيدة. إنه يزودني بفرصة لتحليل أفكاري ومعتقداتي وأفكار غيري ومعتقداتهم وأسبابي ومشاعري... وأسبابهم ومشاعرهم وتقييمها.
• التفكير الناقد هو القدرة على تحليل المشاعر والأفكار وتقييمها بصورة مستقلة ومنطقية وعقلية.
• التفكير الناقد مزيج من أشياء عدة، وعلى رأسها التفكير المستقل، والتفكير الواضح والتساؤلية المنظمة.
• التفكير الناقد هو الدهشة تجاه ما هو عادي أو تلقائي. إنه التساؤل بصورة دقيقة لمعرفة جوهر الحقيقة، والتقييم بعقل مفتوح.
• إن روح التفكير الناقد تثيرني حقاً. إنني أشعر أن تنفيذي لاستراتيجيات التفكير الناقد تجعلني معلمة أكثر فعالية.
• التفكير الناقد هو ما يجب أن يكون عليه التعليم.
• التفكير الناقد عملية تتناول جميع الأفكار، والأسئلة، والمشكلات اليومية، التي تمكننا من إيجاد حلول لها.
• التفكير الناقد مهارة لتوسيع الأفكار، وفن طرح الأسئلة.
• التفكير الناقد هو الاكتشاف.
• التفكير الناقد عندي أن تكون مفتوح العقل. إنه أشبه بفتح باب يؤدي إلى فتح أبواب أخرى تدخل منها الأفكار، وتتحرك، وتتغير، وتستقر.
• التفكير الناقد هو الاستقلال.
• كمعلمة وكفرد أجد مهارات التفكير الناقد ضرورية لحياة ممتعة وغنية، فبالقدرة على التفكير الناقد يستطيع المرء تقدير جميع نواحي الحياة والتعامل معها والتعلم منها.
• لا يُفقِد التفكير الناقد أبداً متعة التعليم.
• التفكير الناقد وسيلة لتركيز الطاقة للتعلّم.
• التفكير الناقد هو القدرة عل وزن الأمور بصورة حجة وغير متحيزة.
• التفكير الناقد تساؤل أو تحليل وإصدار أحكام سليمة على الأسئلة والأفكار والقضايا والمفاهيم.
• يوفر لي التفكير الناقد وسائل أكثر لعرض دروسي وتقييم خطط دروسي اليومية.
• التفكير الناقد فرصة لتوسيع التفكير عند تلميذاتي وتلاميذي.
• التفكير الناقد عملية تتناول جميع الأفكار التي نواجهها كل يوم.
• التفكير الناقد أداة يستطيع المعلمون والمعلمات استخدامها لإبراز بعد جديد للتعلم. إنه التفكير في الأسئلة واكتشاف المفاهيم الواردة في المناهج.
• التفكير الناقد تساؤل لبق لكل زاوية أو وجهة نظر. إنه النظر في وجهة النظر دون إصدار أحكام متسرعة.
• التفكير الناقد وسيلة أشجّع بها تلاميذي وتلميذاتي ليصبحوا مشاركين نشطين في عملية التعلم.
• التفكير الناقد تفكير واضح ودقيق ومنصف وموجه.
هذه جملة موجزة – عدداً ونصاً - من أجوبة المعلمين والمعلمات، الحضور على السؤال في نهاية الورشة: ما التفكير الناقد؟
أما التفكير الناقد في كتاب: Critical Thinking للأستاذ ريتشارد بول، فله تعريفات أخرى منها: أنه التفكير الذي يحتاج إليه كل شخص للبقاء الناجح في عالم سريع التغير. إنه تفكير منظم وموجه ذاتياً ويعبر عن كمالات التفكير المناسبة لموضوع معين.
• إنه التفكير الذي يدل على إتقان المهارات والقدرات العقلية.
• إنه التفكير في التفكير في أثناء التفكير من أجل تفكير أوضح وأفضل وأدق، وأكثر قابلية للدفاع عنه.
• بالتفكير الناقد نسيطر على عناصر التفكير لتكييفه بنجاح مع متطلبات المنطق الخاصة بنمط أو موضوع التفكير، لأن لكل موضوع كاللغة أو الفيزياء... متطلبات تفكير خاصة به.
• والتفكير الناقد قد يكون أنانياً، أو سفسطائياً، أو منصفاً. وهو أيضاً نوعان: تفكير قوي يتميز بما يلي:
- بقدرة الناقد على مساءلة إطاره الفكري وبعمق كبير.
- وبقدرته على إعادة بناء أقوى وجهات النظر، وأطر التفكير المعارضة لوجهات نظره.
- وتمتعه بالاستدلال الديالكيتيكي (أي بعدة أشكال من المنطق)، وبحيث يستطيع أن يقرر متى تكون وجهة نظره في أضعف حالاتها، ووجهة النظر المعارضة في أقوى حالاتها، فالمفكرون نقدياً لا تعميهم –روتيناً- وجهات نظرهم الخاصة. إنهم يدركون ضرورة إخضاع فرضياتهم وأفكارهم ومعتقداتهم للفحص بأقوى وجهات النظر المعارضة.
- والتفكير الناقد بالمعنى القوي في التعليم يجعل التلاميذ يفهمون وينتقدون أعمق تحاملاتهم وتحيزاتهم وتعصباتهم وسوء فهمهم للموضوع أو القضية ومن ثم اكتشاف ومقاومة نزعاتهم الأنانية والاجتماعية إلى الانتقال إلى التفكير بعقلانية وموضوعية في كل ما يعرض لهم من مشكلات وقضايا.
أما النوع الثاني من التفكير الناقد فهو التفكير الناقد الضعيف:
• الذي لا يُخضِع أصحابه أنفسهم للمعايير نفسها التي يخضعون غيرهم لها.
• الذي لم يتعلم أصحابه التفكير الدقيق وهم يتفحصون وجهات النظر التي يعارضونها.
• الذي لا يقبل أصحابه التفكير الناقد القوي أو التفكير بصدق على الرغم من تمسكهم الكلامي بهما.
• الذي يستخدم أصحابه التفكير الناقد انتقائياً وخداعاً للذات لخدمة مصالحهم الخاصة على حساب الحقيقة وهو ما تمتاز به الشخصيات الصهيونية والإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بقضية فلسطين واليهود.
• أما كمالات التفكير أو معايير كماله أو ما يمكن تسميته بمثاليات الفكر في نظر بول فهي:
الوضوح: clarity ، الدقة: accuracy، الملاءمة: relevance،  الاتساق: consistency، العمق: depth ، العرض: breadth، الإنصاف: Fairness ، المنطقية: logicalness، الدلالة: significance، الكفاية أو الوفاء بالحاجة: adequacy.
أما عناصر التفكير أو مادة التفكير الخام في أي تفكير يمارسه المفكر المنظم أي عندما يسيطر المفكر على نفسه ويوجهها ذاتياً في التفكير، فهي اثنا عشر عنصراً: المعتقدات: beliefs ، الاستدلالات: inferences، الأسباب:reasons ، الدليل: evidence ، الخبرات:experiences ، الفرضيات:assumptions  ،الأفكار/المفاهيم:ideas/concepts ، الأهداف/الغرض:purposes / goal ،القضايا:issues ،الملابسات:implications ، التداعيات/العواقب: consequences ، وجهات النظر:points of view .
ليس أي من هذه المصطلحات متخصصاً أو تقنياً. كلها جاهزة كمفردات لإدماجها في التفكير عن التفكير. وتمكن المفكر من تركيز الانتباه على جانبٍ أو بُعدٍ من أبعاد التفكير. إنها مصطلحات أساسية أو مراجع لترجمة كمالات الفكر إلى معايير فاعلة لتحليل الفكر أو تقييمه.
أما الأستاذ تي. كندريك وفي كتابه: " Identifying and Managing Project Rislcs, 2009 " فيصيغ ثمانية عشر تعريفاً للتفكير الناقد نختار منها التالي:
• التفكير العقلاني المنظم والمنفتح المدعوم بالدليل.
• التفكير العقلاني التأملي المركَّز.
• التفكير الناقد هو التفكير الهادف والذاتي التنظيم الذي يؤدي إلى تفسير، وتحليل، وتقييم، واستنتاج، وتوضيح الدليل، والمفهوم والأسلوب، والمعياري للاعتبارات الإطارية التي يقوم الحكم عليها.
• الالتزام باستخدام العقل في صياغة ما نعتقد.
• المهارة والميل للانغماس في نشاط فكري جنباً إلى جنب الشك التأملي فيه.
• استيعاب واستخدام اللغة بدقة ووضوح وفطنة.
• تفسير البيانات المناسبة للدليل، وتقييم الحجج.
• إدراك وجود (أو عدم وجود) العلاقات المنطقية بين القضايا.
• استنتاجات وتعميمات مبررة ووضعها للاختبار.
• فهم المشكلات والبحث عن وسائل قابلة للتنفيذ لحلها.
• إدراك الفرضيات والقيم الخفية وفي الخطاب.
وفي الختام: ندعو المدرسة الناقدة إلى تحديد الجامع المشترك للتفكير الناقد بين هذه التعريفات: هل هو التفكير غير المقيد بموقف مسبق؟ هل هو البحث عن الحقيقة؟ هل هو مناقشة المشكلة أو القضية من جميع الجهات؟ الخ... وأخيراً: هل يمكن اعتبار التفكير الإرهابي الذي يبرر قتل الناس الأبرياء المصادفين تفكيراً ناقداً قوياً أم ضعيفاً؟ أنانياً أم سفسطائياً؟ أين يقع التفكير الإرهابي من هذا وذاك؟

التعليق