سائد كراجة

حتى لا يكون تقرير "اللجنة" حبرا على ورق

تم نشره في الأربعاء 8 آذار / مارس 2017. 01:02 صباحاً

اللجان الملكية تطبيق معروف في دول العالم الملكية؛ مثل بريطانيا ونيوزيلاند وإسبانيا وغيرها. وهي هيئة تشكل بإرادة ملكية للتحقيق أو استظهار أو إنجاز أمر محدد. وحدود صلاحيات مثل هذه اللجان هي وضع توصيات غير ملزمة قانوناً، لكن غالباً ما تحظى باهتمام كبير على الصعيدين الشعبي والحكومي، يترجم بتطبيقها وتبنيها من قبل الدولة.
درست باهتمام كبير التقرير الذي أعدته اللجنة الملكية لتطوير القضاء. وبالنظر إلى شمولية التقرير والتفاصيل التي عالجها، فقد أنجز في مدة قياسية (أربعة أشهر). إذ حدد التقرير الإشكاليات التي تعترض تطوير القضاء، ثم اقترح "أهدافاً كبرى" واستراتيجيات في سبيل تحديثه وتطويره، وقام (التقرير) بوضع حلول لتحقيق تلك الأهداف ضمن إطار زمني محدد. والأهم أنه قدم اقتراحاً بتعديل النص القانوني اللازم أو اقتراح مشروع قانون جديد لكل توصية من التوصيات.
في المضمون، اقترح التقرير خطوات عملية لترسيخ استقلال القضاء، وخاصة المالي والإداري، وذلك باقتراح وضع ميزانية للمجلس القضائي مستقلة عن ميزانية وزارة العدل؛ وتطوير الجانب الإداري في المجلس القضائي بما يعزز استقلال القضاء وتمكين نزاهته. أيضاً، يمكن القول إن التقرير جاء جريئاً، فقد اقترح، مثلاً، إلغاء نص المادة (308) من قانون العقوبات، لمنع إفلات المغتصِب من العقاب بتزويجه المغتصَبة. كما وضع حلاً لما يسمى "جرائم الشرف"، بمنع منح قاتل النساء عذراً مخففاً. وكذلك وضع حلولاً مهمة لضمان المحاكمة العادلة، والحد من الآثار السلبية الناجمة عن التوقيف الاحتياطي حيث اقترح حصرها في ظروف محددة. ومن جانب آخر، فإن بعض اقتراحات التقرير محل خلاف ونظر، ولا أعرف إن كانت قد قامت على دراسات دقيقة؛ إذ اقترح التقرير، مثلاً، رفع الحماية الجزائية عن الشيك وتحويله إلى مستند عادي مثل الكمبيالة. فهذا في تصوري اقتراح محل خلاف، ذلك أن المشكلة لم تكن يوماً في الحماية الجزائية للشيك، بل في بطء المحاكم في البتّ في قضايا الشيكات.
ما لم يتعرض له التقرير هو الكلفة المالية اللازمة لتنفيذ توصياته؛ إذ إن تحسين الوضع المالي للجهاز القضائي، أو تحديث البنية التحتية للمحاكم، أو إدخال التكنولوجيا في أعمال المحاكم وتطوير جهاز النيابة العامة، تحتاج إلى ميزانية كبيرة سكت عنها التقرير. وأعتقد أن عدم توفر المخصصات المالية سيكون عذراً محلا من تنفيذ توصيات اللجنة. أضف إلى ذلك أن تحقيق التوصيات مرهون بموافقة البرلمان على اقتراحات القوانين والتعديلات على القوانين السارية التي أشار إليها التقرير، والتي وصلت إلى خمسة عشر قانوناً. وأعتقد أنه من دون تعاون وعمل حثيث مع النواب، فقد تطيح السياسة أو المناكفة أو بطء العمل باقتراحات هذه اللجنة.
التقرير حجة على الدولة والحكومة؛ فبالقياس تبين أنه من الممكن لمجموعة من الخبراء الأردنيين وضع خطة واضحة لتطوير القطاع العام أو قطاع الطاقة أو السياحة، خطة تفصيلية بما يتضمن اقتراح القوانين اللازمة لتعديلها ووضع إطار زمني لتحقيقها، وإنجاز ذلك في وقت قياسي. ولهذا فإن تصوير أن الإصلاح الفعلي لقطاعات الدولة يحتاج إلى معجزات هو أمر غير دقيق، وينم عن ضعف طريقة عمل الحكومات إن افترضنا حسن النية.
بغض النظر عما إذا كنا نتفق أو نختلف مع أعضاء اللجنة، فإن التقرير عمل يستحق الإشادة. مع أنني أشك في إمكانية تطبيق توصياته خلال المدة التي اقترحها "تسعة أشهر"، خاصة أن لنا تجارب مريرة في تقارير لجان وضعت على الرف، مثل تقارير تطوير التعليم أو الأجندة الوطنية أو تقرير لجنة النزاهة والخصخصة.
نعم، لا نريد أن تكون توصيات اللجنة الملكية لتطوير القضاء حبراً على ورق؛ فسيادة القانون شرط لازم لقيام الدولة المدنية، والقضاء المستقل الناجع هو عماد سيادة القانون وشرط استمرار الدولة.

التعليق