رنا الصبّاغ

المرأة في يوم؟!

تم نشره في الأربعاء 8 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً


في مثل هذا اليوم من كل عام تقرر الصحف والمؤسسات الإعلامية في الأردن تفويض عدد من الإعلاميات بصلاحيات رئيس التحرير المسؤول بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي؛ بما في ذلك متابعة شؤون التحرير، ومطالب الموظفين، ومقالات الكُتّاب.
تبتسم الزميلات المحظوظات وهن محاطات بباقات من الورد وعلب الشوكولاته. يجلسن خلف مكاتب فخمة "مع جعصة" كأنهن حققن حلم حياتهن. وقد يتهكّم عليهن زملاء لهن في الغرف المغلقة والمفتوحة لأنهن قبلن هذه الهديّة الرمزية الموسمية وارتضين بـ"المشيخة" يوما وحيدا في العام.
وتتباهى الإدارات بنشر أخبار مساهماتها الإيجابية في دعم كوادرها النسائية، وإن من باب رسم صورة عصرية عن هذه المؤسسات وسمات القائمين عليها. بخلاف ذلك، لا تكاد توفر أغلبية تلك الإدارات الحد الأدنى من الشروط اللازمة -قبل هذا اليوم أو بعده- لتغيير الواقع وكسر العقلية النمطية التي تحط من شأن المرأة في مهنة ذكورية بامتياز.
وما إن ينتهي النهار حتى تعود الزميلات اللواتي عشن "برستيج" الجلوس على كراسي جلدية فارهة إلى مكاتبهن البسيطة ومقاعدهن غير المريحة، للعمل على أجهزة كمبيوتر ربما يكون قد عفا عليها الزمن، والانصياع لأوامر مدرائهن. وفوق ذلك يعملن مقابل أجور غير متكافئة مع نظرائهن من الرجال.
ويحق التساؤل: لماذا تقبل زميلاتنا الجلوس في هذا المنصب القيادي يوما يتيما في العام في بلد سبق الدول المحيطة به في هذا المضمار، بدل أن يتعاضدن لدعم بعضهن بعضا؟ فالإعلاميات لسن من سكان المريخ، وعليهن التوقف عن السماح للآخرين بإنكار خبراتهن كإعلاميات محترفات أو التعامل معهن وكأنهن ضلع قاصر.
إعلاميات الأردن لا يبدأن رحلة الصعود الى المناصب القيادية من الصفر. فهذا البلد سبق الدول المحيطة به العام 1999، حين اختار سيدة لرئاسة تحرير يومية "الجوردان تايمز" الناطقة باللغة الانجليزية. والزميلة بيان التل عيّنت في منصب حساس؛ مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون. والزميلة جمانة غنيمات تتبوأ رئاسة تحرير "الغد" منذ نحو خمس سنوات. ومجلس إدارة فضائية "المملكة" عين دانا الصياغ رئيسة تنفيذية. وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كان التلفزيون الأردني سباقا على مستوى المنطقة لجهة تشغيل النساء وإظهارهن عبر شاشاته. وتستذكر نساء رائدات ذلك "العصر الذهبي" للمؤسسة، حين كن يصلن الليل بالنهار لإنتاج برامج سياسية وثقافية وترفيهية مشوقة.
كما إن غرف التحرير لا تخلو من نماذج لقامات نسائية ناجحة وفاعلة، بعد أن تدرجن في المهنة وأثبتن كفاءاتهن المهنية، ضمن ضوابط الإعلام المرعوب في مجتمع لم ينصف المرأة حتى الآن، ولو قانونيا، مدعوما بتحالف بين مشرع ذكوري وبيروقراطية تقليدية باتت تستند إلى الفتاوى لتحريم ما يسمى بجرائم الشرف –مثلا- بدل سن قانون حازم وفاعل.
التطور بطيء ولا يلبي طموح العديدين.
لكن هل تستسلم الزميلات وبخاصة القديرات منهن؟ طبعا لا. علينا أن نستكمل رحلة التغيير من هنا، وإن كانت تحتاج الى وقت طويل. فثمّة تغيير بطيء نحو الأفضل لمصلحة النساء في غرف التحرير المحلية في القطاعين العام والخاص، مع أن الأغلبية تدرك أن المرأة تعطى المسمى الوظيفي –على الأغلب- نتيجة التدرج من دون ان تتمكن من ممارسة دورها بالكامل.
الأمثلة على التغيير موجودة. 28 % من الهيئة العامة لنقابة الصحفيين نسوة، لكن ليس بينهن من جلست على كرسي النقيب. عدد الزميلات في مجلس النقابة لم يتجاوز الاثنتين في أحسن الأحوال. في "الدستور"، أقدم الصحف، تم ترفيع أربع زميلات لمنصب نائب رئيس تحرير، حالها حال يومية "الرأي" حيث زميلة تدير الدائرة الاقتصادية، والنساء يشكلن نصف عدد الموظفين تقريبا. وفي وكالة الأنباء الرسمية "بترا"، تشكل النساء 20 % من الجسم الإعلامي، وهناك أربع منهن رؤساء أقسام وخمس سكرتيرات تحرير.
بالطبع، الحق ليس دائما على الرجال، بحسب ما أظهرت نقاشات طاولة مستديرة لرؤساء التحرير والإعلاميين التنفيذيين في الأردن، نظّمتها في عمان قبل أسابيع المنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء (وان-إيفرا).
نُظمت الورشة لعرض هدف وأنشطة برنامج المنظمة: "النساء في غرف الأخبار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". وقد ثبت نجاح البرنامج عالميا. إذ بحسب منشورات المنظمة، فإن 44 % من الصحفيات اللواتي التحقن بالبرنامج (120 صحفية في أكثر من 40 مؤسسة إعلامية) في السنوات السابقة، انتقلن في مؤسساتهن إلى مركز جديد، وإن 75 % منهن أقدمن على خطوة جديدة اخترنها في حياتهن.
زميلان شاركا في النقاش أقسما أغلظ الإيمان أنهما حاولا تسليم زميلات لهم مراكز تحريرية قيادية، لكن رفضهن كان مطلقا بسبب مخاوفهن من التبعات القانونية والأحمال السياسية والمجتمعية التي تأتي مع هذا المنصب، معطوفا على ذلك تحدي المسؤوليات العائلية في حال الزواج وبناء أسرة. مقابل هذه التبريرات، أصرت زميلتان وصلتا إلى مناصب إعلامية قيادية أن الرجال اضطروا إلى الإقرار بمهاراتهما القيادية والاحترافية، قبل أن يغضبوا عليهما لأنهما لم تكونا "أليفتين" معهم، بخلاف توقعاتهم. ثم تبدأ عملية وضع العصي في الدواليب للإطاحة بالمرأة من موقعها. وأصرّ مشاركون من وحي تجاربهم كمديرين عامين في الإعلام أن المرأة يصعب السيطرة عليها كالرجل لدى التعامل مع الخطوط الحمراء أو مع القضايا المسكوت عنها أو الرضوخ للواسطة والمحسوبية والفساد.
وتوافق المشاركون حول نقطة أن الصحفيات أكثر التزاما بالدوام وبالعمل وبالإخلاص للمهنة، ولا يقبلن على أنفسهن تسليم مواد صحفية غير مكتملة.
بالطبع، الرجال والنساء يعملون في الأجواء الصعبة ذاتها التي تتحكم بالمهنة، بما فيها التعامل مع الحكومة ومؤسساتها. ويتعاملون مع 26 قانونا ونظاما تحد من حرية الإعلام وحق الرأي والتعبير، لأن بنودها مصاغة على نحو مطاط قابل لتأويل أي قضية وتكييفها ضد أي إعلامي/ة مشاغب/ة. فنحن نخوض غمار مهنة المتاعب، وإن اعتقد البعض أنها مهنة "برستيج" تبقي القائم عليها قريبا من المسؤولين والمتنفذين. لكن المرأة تجد نفسها مضطرة إلى التعب على نفسها ومتابعاتها الصحفية 100 مرة أكثر من الرجل، لكي تثبت مهنيتها في مجتمع بطرياركي من دون أن تتساوى معه في الأجر أو في فرص الوصول إلى مناصب قيادية. وعليها أيضا تحمّل محاولات التحرش، والسكوت عنها من باب العيب؛ فقضايا المرأة في المجتمع وتحديدا تلك المتعلقة بالشرف، حال الدين والجنس، تظل تابوهات ممنوع الاقتراب منها.
أخيرا، وفي هذا اليوم العالمي، لا تتمايز الإعلاميات كثيرا عن سائر النساء في الأردن. فعديد التشريعات تميز ضدهن، ذلك أن المشرّع ذو عقلية ذكورية محافظة وتقليدية لا تعكس إرادة الناس، أو تتماشى مع منظومة حقوق الإنسان الدولية. ويمضي في انحيازه بوسائل شتّى منها استحضار نصوص دينية قائمة على تفسيرات بشرية قابلة للخطأ والصواب، لكي يحط من كرامة البشر أو ينتهك مقومات الحياة الإنسانية ويحافظ على سياسة الأمر الواقع.
وضع المرأة في المجتمع محبط في كل شيء. والأسوأ أن المرأة لا تشتكي حقوقها المهدورة بدءا من الميراث والحضانة والأحوال الشخصية وانتهاء بالتجنيس والخلل في سوق العمل وإجازات الأمومة، ووظيفة الخدمة المدنية فضلا عن فجوة الأجور والضمان الاجتماعي بعد سن التقاعد.
هذا الانحياز سيستمر طالما قبلت الأغلبية العيش خارج نطاق دولة المواطنة المتساوية بحماية سلطات مستقلة تصون الكرامة والعدالة.

التعليق