النظام العالمي في أعقاب 2016

تم نشره في الخميس 9 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- ها هم القوميون يتظاهرون في أوروبا وأميركا، ويقولون إن العولمة أفادت النخب فقط فيما حرمت العمال العاديين، وأن الحكومات يجب أن تضع أميركا وبريطانيا وفرنسا في المقام الأول. وهذا يعني تفضيل المنتجين المحليين وتقييد التدفقات العالمية للبشر والسلع ورأس المال (الذي يذكر في مواضع أقل عادةً) إلى هذه الدول. وقد أتى آخر اقتراح يتعلق بهذا الأمر من البيت الأبيض الذي يترأسه ترامب مؤخراً، المقترح الذي كان بمثابة تهديد بتجاهل قوانين منظمة التجارة العالمية وفرض رسوم جمركية على الدول التي تمارس التجارة "غير العادلة".
ويقول مقال سابق أن العالم ربما يكون قد دخل المرحلة الثالثة لاقتصاد ما بعد العام 1945، بعد مرحلة "بريتون وودز" (أسعار الصرف الثابتة والتعافي) من العام 1945 إلى أوائل سبعينات القرن الماضي، ومرحلة العولمة الممتدة من العام 1982 إلى 2007. وقد انتهت كل مرحلة من المراحل بأزمة بطبيعة الحال (الركود التضخمي في السبعينات، وأزمة الائتمان بعد العام 2008). وفي ظل ذلك، يمكن أن تشهد الحقبة المقبلة تراجع العولمة لأول مرة منذ العام 1945.
وهذا هو محور تركيز فصل كامل من دراسة "باركليز"، التي جاءت بعنوان "ذهب الأسهم"، والتي تمثل نظرتها السنوية إلى أكبر ثيمات التمويل. وكما بين مؤلفو الدراسة، عانت العولمة تراجعاً هائلاً مرة واحدة بعد العام 1914. ولم تتعافَ التجارة العالمية بشكل حقيقي (كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، على الأقل، حتى تسعينيات القرن الماضي). وكانت الفترة الممتدة من العام 1914 حتى العام 1945 إحدى أكثر الفترات قتامةً في تاريخ العالم، لاسيما وقد وسمتها حربين عالميتين والكساد العظيم (وهي أحداث تفسر لماذا كان التراجع عن العولمة شديد الحدة).
وربما يتجادل قلة حول أن فتح اقتصاد على التجارة العالمية يعزز النمو في الأجل الطويل (قارن هنا بين كوريا الشمالية والجنوبية، أو الصين قبل العام 1979 وبعده). ولكن، ليس الجميع يستفيد من ذلك، والجدل هذه المرة يتمحور حول أن المكاسب تتوزع بشكل غير عادل.
وإذا ما عدنا إلى عالم ما قبل العام 1914، سنجد دولاً مثل أميركا والأرجنتين تملك مساحاتٍ شاسعة من الأراضي، ولكن القليل من العمالة، فقد كانت تصدر السلع إلى أوروبا وتستورد منها العمالة بالمقابل (في ضوء أن أوروبا كانت تملك فوائض في الأيدي العاملة ونقصاً في الأراضي). وقد اجتذبت الأجور الأعلى والزيادات هؤلاء العمال، الأمر الذي تسبب بفجوة حقيقية بالأجور. ولكن عمالة العالم الحديث استاءت من ذلك. وفي القرن العشرين، شنت أميركا حملة على تدابير الهجرة، الأمر الذي أفضى إلى انخفاضها إلى حد كبير قبل تحرير القوانين في الستينيات. 
وفي الاقتصاد الحديث، ألهمت الفجوة في الأجور الهجرة بين العالم الثري والعالم النامي، لذلك بدأت سكان أميركا اللاتينية ينتقلون إلى الولايات المتحدة، وهؤلاء من أوروبا الشرقية وأفريقيا إلى أوروبا الغربية. وقد شوهد ذلك على أنه تهديد قوي يبرز في كثرة العمالة غير المؤهلة، سواء أكان ذلك من حيث الضغط على الأجور (رغم أن التأثير الكبير لذلك صعب الإثبات حقيقةً) ومن الناحية الثقافية أيضاً.
ويمكن للعمالة المؤهلة أكثر في الغرب أن يستفيدوا من الحراك العالمي، في ضوء أن كثيراً من الوظائف تطلب خبراتهم ومهاراتهم، لذلك فهم يميلون إلى كونهم يفضلون ما بعد العولمة –وبالتالي التقسيم الانتخابي. وقد أدى قطاع الشركات أيضاً بشكل جيد خارج هذا التحول. وكما كتب محللو "بيركليز"، فإن الشركات متعددة الجنسيات تتمتع "بفرص متنامية لـ(تمزج وتطابق)، اختبار أفضل مزيج لمكان الإنتاج، ولمكان أداء الخدمات ذات العلاقة بالإنتاج، والمكان الذي تستطيع فيه وضع مقراتها القانونية".
وقد قاد ذلك إلى شيء ما يشابه "السباق إلى القاع" في معدلات ضريبة الشركات في الوقت الذي تتنافس فيه الدول لاجتذاب الشركات إلى شواطئها. ولكن هذا النظام الجديد يصعب إمكانية عكس المسار. وكما يصف كتاب ريتشارد بالدوين الأخير، بعنوان "الالتقاء العظيم"، الأمر، لم تعد التجارة العالمية تتعلق بمنتجات دولة تنافس منتجات أخرى، كالسيارات الألمانية في مواجهة السيارات اليابانية، إنما أصبحت تتعلق بـ"سلاسل القيمة العالمية" لشركات التصنيع المختلفة –بي إم دبليو، تويوتا، وجي إم- تتنافس مع بعضها البعض.
وتعمل سلاسل هذه الشركات بواقع الحال عبر الحدود، وسوف تحتاج إلى استيراد القطع وإعادة تصدير السلع المكتملة، ويحوي كل دولار من التصدير المكسيكي إلى أميركا ما قيمته 40 سنتاً من قيمة السلع المنتجة أميركياً داخله، وسوف يكون فرض الرسوم الجمركية على هذه السلع من هذا المنطلق بمثابة هزيمة للذات لا للآخر.
وبمجرد أن سياسة ما لا منطق لها، فهذا يعني أنه ليس هناك من ضمان لأن السياسيين لن يسعوا إلى العمل بها ونشرها. وسوف يكون لمزيج من الجزر المربوط بالعِصي، المصمم لإعادة الشركات الأميركية إلى الوطن، التأثير الأكبر على الدول الأكثر انكشافاً على سلسلة القيمة العالمية. وتعتقد "بيركليز" أن هذه الدول تتواجد في آسيا وأوروبا (العشرة الأشهر بينها هي: سنغافورة وبلجيكا وبريطانيا وهولندا وهونغ كونغ والسويد وماليزيا وألمانيا وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى فرنسا). وعلى صعيد الأسواق الناشئة، فهؤلاء هم المصنعون –لا منتجو السلعة الذين عادةً ما يضربون عند تباطؤ الاقتصاد العالمي).
وداخل الاقتصاد المتقدم، فإن إعادة الشركات إلى الوطن سيعني أن التكاليف والأسعار ستكون أعلى، بحيث ستشق طريقها بقوة في صلب معايير معيشة العمال العاديين. ومع ذلك، قد تجادل أنت، سوف تعود الأعمال التي تدفع جيداً بالمقابل. ولكن هنا تكمن المشكلة، ما لم تجف التجارة العالمية بالكامل (الأمر الذي دمر الاقتصاد بالنسبة للجميع، كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي)، سوف تواصل الشركات مواجهة المنافسة الأجنبية، ولذلك فقد تضطر إلى استبدال العمالة الأجنبية، ليس بالعمالة المحلية، إنما بالآلات.
 وبما لا ريب فيه أن هذا يرتبط بمشكلة أخرى في الاقتصادات المتقدمة، وهي نمو الإنتاجية البطيء. ومقروناً بشيخوخة السكان في العالم الغربي، سوف يصعب هذا الأمر احتمال إيجاد أي نوع من النمو يمكن أن يُرضي الناخبين، ويجعلهم يتحول بأنفسهم بعيداً عن الأحزاب القومية. ولكن نوع التطوير في الإنتاجية، الذي تتحدث عنه "باركليز"، يشمل استبدال العمالة بالآلات (مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد، أو السيارات والمركبات التي تقود نفسها ذاتياً). وهذا سوف يزيد سخط هؤلاء الناخبين بلا شك، فلن يكونوا الرابحين من تراجع العولمة في نهاية اليوم. وكما هو الحال تماماً في ثلاثينيات القرن الماضي، فإنه من السهل التنبؤ بدوامة هزيمة الذات في سياسات إفقار الجار كنتيجة لذلك.

"الإيكونوميست"

comp.news@alghad.jo

التعليق