فهد الخيطان

مركز الدراسات الاستراتيجية.. التقدير والتقرير

تم نشره في الخميس 9 آذار / مارس 2017. 12:08 صباحاً

لفت الحضور المتنامي لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية اهتمام الملك عبدالله الثاني، فوجه لإدارة وفريق الباحثين فيه رسالة تهنئة وتقدير بمناسبة حصوله على المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط، بحسب تصنيف جامعة بنسلفانيا الأميركية لمراكز الدراسات.
يستحق المركز المرتبة التي حققها، وكذلك التهنئة الملكية، فأجندته على مدار السنة زاخرة بالدراسات والمؤتمرات والندوات التفاعلية التي تستضيف نخبا سياسية واقتصادية تمثل مختلف الأطياف الأردنية. ومخرجات هذه الفعاليات عادة ما تكون على سوية مهنية عالية، يمكن لأصحاب القرار والمهتمين أن يستعينوا بها لبلورة سياسة مستقبلية واقعية وقابلة للتطبيق، عوضا عن الارتجال والفقر المعرفي الذي يصاحب عملية اتخاذ القرار في ما يخص شؤوننا السياسية والاقتصادية.
كان آخر ما صدر عن المركز في وسائل الإعلام أمس، تقرير مفصل حول أجندة الأردن للعام الحالي 2017، تضمّن توصيات في محاور عدة أساسية تخص علاقات الأردن الخارجية، والمقاربات المقترحة للتعامل مع أزمات الإقليم؛ القضية الفلسطينية، والأزمة السورية، والعلاقات مع القوى الفاعلة في الإقليم؛ إيران وتركيا ودول الخليج العربي.
وعرّج التقرير على الوضع الداخلي وأزمة الثقة المستعصية بين الدولة والمواطنين، والمخارج المقترحة التي يمكن أن تساهم في التغلب على الأزمة الاقتصادية، والسبل الناجعة لمكافحة التطرف والإرهاب ودور المؤسسات الأمنية والمدنية.
التقرير صيغ بمهنية عالية، بحيث يسهل هضمه وفهمه من قبل عموم الناس قبل الساسة وصناع القرار. وهو بالضرورة لا يعبر عن رأي المركز، بل حصيلة عصف ذهني لمجموعة من الخبراء وأصحاب الاختصاص في مختلف الميادين.
لم أشعر أن التوصيات التي خلص إليها التقرير استثنائية في محتواها، أو خارج الصندوق كما يقال. وهذه ليست مسؤولية المركز والقائمين عليه بالطبع، وإنما هي مؤشر على حدود القدرات المتاحة، وانحسار أفق النخبة الأردنية، وعجزها عن التنقيب في عمق يتجاوز الطبقات السطحية للمجتمع الأردني، وركونها إلى المتاح من حلول لمشكلات تعقدت لدرجة باتت تستدعي تركيب علاجات غير تلك المطروقة في الوصفات التقليدية.
لكن في المتاح من وصفات الخبراء في تقرير المركز، ما يصلح لأن يكون نقطة تحول في مسار الأزمات الأردنية المتداخلة خارجيا ومحليا، اقتصاديا وسياسيا. ولعل التوصيات المتعلقة بملف الإرهاب على سبيل المثال، أو العلاقات الخارجية أو خطر المخدرات، ما يعد نموذجا على هذا المنحى.
يكفي مركز الدراسات الاستراتيجية أنه ووسط هذا الخواء المعرفي، والضجيج الفارغ على مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض المؤسسات الشريكة في صناعة القرار، ما تزال هناك مؤسسة بحثية تفكر بهدوء، وتستفز العقل الأردني الساكن والمحبط، عسى أن يخرج عن طوره ويستعيد مكانته التي سرقها أصحاب الصوت العالي في الشارع، ونخب في مؤسسات القرار استسلمت للوضع القائم.
ما نأمله هو أن لا تذهب جهود الخبراء الأردنيين والباحثين في مركز الدراسات أدراج الرياح، وتجد في مؤسسات القرار من يطالعها بتمعن، ويعود لمناقشة القائمين عليها بالتفاصيل، بدلا من الإهمال والتهميش المعهودين في التعامل مع مثل هذا النوع من الدراسات والتقارير.

التعليق