إبراهيم غرايبة

ماذا ترى المجتمعات اليوم ذاتها؟

تم نشره في الخميس 9 آذار / مارس 2017. 01:06 صباحاً

يفترض أن تعكس/ تنشئ الانتخابات البلدية وانتخابات مجالس المحافظات تطورا في وعي الأفراد والمجتمعات لذاتها؛ ما الدور الجديد المفترض للأفراد والبلديات والمجتمعات والمنظمات الاجتماعية في المشاركة الاقتصادية والاجتماعية؟ ما مسؤوليتها في تحسين الحياة، بمعنى زيادة الدخل وكفاءة التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية؟ ما دورها في التشغيل والإنتاج الاقتصادي، وفي شحذ الفاعلية الاجتماعية والروحية في اتجاه بناء الانتماء ورأس المال الاجتماعي؟ ما مواردها الخاصة بها والمستقلة، وما حدود ولايتها على شؤونها وأولوياتها واحتياجاتها؟
تبدأ "لامركزية" المدن والمحافظات بأن تمتلك مجموعةً من الشركات والمؤسسات المالية والخدماتية؛ بنكا لكل مدينة أو محافظة، ومؤسسات للطاقة والمياه والسلع الأساسية تمتلكها البلديات بالشراكة مع أبناء المدينة، وتعمل على أساس شركات تجارية مساهمة. وعلى هذا الأساس تدير المدن والمحافظات مواردها وأولوياتها، وتنظم أيضا مستقلةً خدماتها الأساسية، إضافة إلى ولايتها المستقلة على تنظيم وتخطيط وإدارة المدن والمرافق والبلدات والمكتبات والثقافة والفنون والرياضة... إلخ.
مؤكد بالطبع أن المدن والبلدات لا تملك اليوم الموارد الكافية؛ هي في الواقع مؤسسات حكومية لا تختلف عن المديريات والفروع في الوزارات والمؤسسات الحكومية. وهذا يجهض الانتخابات البلدية والمحافظاتية ويفقدها المعنى والجدوى؛ فلا معنى للانتخابات وتنظيمها من غير موارد مستقلة خاصة بالمدن والمجتمعات. وفي ذلك، فإن التشريعات المنظمة للموارد العامة والضرائب يجب أن تراجَع وتطوَر وفق اتجاه تقسيم الموارد والمسؤوليات المالية بين المركز والمحافظات. وفي الوقت نفسه يجب أن تطور المدن والمجتمعات مواردها الخاصة، ومساعدتها في ذلك.
يؤشر إلى نجاح وفاعلية المدن والمجتمعات بقدرتها على تمويل شؤونها ومشاركتها في التشغيل بنسبة مؤثرة في توزيع الوظائف، وألا تظل الأخيرة محصورة في توزيعها بين القطاع العام والقطاع الخاص؛ إذ يحب أن يكون هناك قطاع ثالث هو المجتمعات، ممثلة بالبلديات والنقابات ومنظمات المجتمع والمؤسسات والشركات التي تملكها المدن والمنظمات الاجتماعية. ويجب أن تكون وجهة المساعدات والمنح الحكومية والدولية للمجتمعات في اتجاه تمكينها من امتلاك وإدارة مواردها المستقلة، وتوليد الدخل والوظائف المستمدة من هذه الأعمال. ولا بأس في تكرار القول إن عمليات المنح الموجهة للعمل الاجتماعي ساهمت في إضعاف المجتمعات وتقوية وإنشاء طبقات منفصلة عن المجتمعات.
بالطبع، هناك سؤال مقابل للسؤال الذي وضع عنوانا لهذه المقالة، وهو: كيف تنظر النخب إلى المجتمعات؟ إن تنظيم انتخابات بلدية من دون تمكين المجتمعات من إدارة شؤونها ومواردها واستقلالها بهذه الموارد والشؤون، يعكس بالتأكيد النظرة إلى المجتمعات بأنها غير جديرة أو غير مؤهلة. لكن وفي الوقت نفسه، عدم الرغبة في تأهيلها لتكون مستقلة؛ ما يعني أن النخب السياسية والاقتصادية تخطط بوعي لاستتباع المجتمعات في مواردها وشؤونها العامة. وفي ذلك، فإن الانتخابات مهما كانت متكررة وغير مزورة، لا تضيف شيئا إلى حياة الناس وأعمالهم. وأسوأ من ذلك أنها تنشئ وعيا مزيفا للذات، ثم تساق/ تستدرج (المجتمعات) وراء هذا الوعي الزائف.

التعليق