د.أحمد جميل عزم

"حب الكذب" وحقيقة إسرائيلية في أوروبا

تم نشره في الخميس 9 آذار / مارس 2017. 01:03 صباحاً

كان غرضي عندما بدأت كتابة هذه المقالة، البحث في معضلة لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تصريحات من دون أساس معلوماتي أو تحقق، وآخرها تغريداته المثيرة لزوابع كبرى، بتعجلها أو استهتارها بالمنطق والقانون، واتهامه لسلفه باراك أوباما بأنه كان يراقب هواتفه أثناء الحملة الانتخابية. وكنت أريد أن أُعرّج على عرب، من سياسيين وأكاديميين، يكذبون بسابق إصرار أو عن جهل أو بتجاهل. وكان لا بد من البحث في تفاصيل علاقات إدارة ترامب ومساعديه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأكاذيبهم بشأن علاقاتهم مع موسكو. ولكن قادني البحث إلى تفاصيل حول تدخل أقطاب الآلة الإسرائيلية السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة في مسألتين: تغريدات ترامب، والتدخل في الانتخابات الأوروبية.
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً بعنوان "قبل الانتخابات: مخاوف ألمانية من التدخل الروسي والمال الأميركي"؛ يوضح كيف يحصل سياسيون أوروبيون يمينيون على أموال روسية وأميركية (من أصدقاء إسرائيل).
فمثلا، تبرع ديفيد هورويتز، الكاتب اليميني الذي يكتب (كما يدل تصفح مقالاته) أنّ "الصهيونية حركة تحرر وطني"، وأنّ "العرب معتدون لا يجوز الدفاع عنهم"، و"أوباما مُعادٍ للسامية"، وأن "من يعارض ترامب خائن لليهود". وهو أحد كُتّاب موقع "بريت بارت" الذي نشر أنّ أوباما تجسس على هاتف ترامب، والذي يُعتقد أنّ الأخير اعتمد عليه في اتهاماته لسلفه التي كذّبها كبار المسؤولين الأمنيين الأميركيين. وكان مؤسس هذا الموقع قد أعلن العام 2007 أنه يؤسس موقعا "مؤيداً للحرية ولتأييد إسرائيل من دون خجل". ويرأس هورويتز ما يسمى "مركز الحرية" الذي توجد لديه ميزانية بملايين الدولارات. وبحسب "نيويورك تايمز"، فإنّه تبرع بمبلغ 150 ألف دولار لحزب "الحرية" الألماني الذي يقوده غيرت ويلدرز؛ وهو سياسي صاعد بقوة في ألمانيا، ومعادٍ جدا للإسلام، عاش في "إسرائيل" عامين، وزارها 40 مرة، ويستعد لخوض الانتخابات الألمانية المقبلة.
ويشير تقرير "نيويورك تايمز" أيضاً إلى شخص آخر، هو الكاتب الصهيوني دانيال بايبس، الذي يرأس مراكز لمراقبة الإعلام العربي وتتبع من يكتب عن الإسرائيليين. وبحسب الصحيفة، دفع "منتدى الشرق الأوسط" الذي يرأسه بايبس، مبلغا من 6 خانات لويلدرز، لدعمه في قضايا مرفوعة ضده بسبب تهجمه على الإسلام. ويصف بايبس ويلدرز بأنه "أهم أوروبي على قيد الحياة اليوم". كما تذكر الصحيفة تفاصيل عن صهاينة أميركيين آخرين يدعمونه، منهم جون بولتون، سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة.
في فرنسا، فإنّ مارين لوبان، وحزبها "الجبهة الوطنية"، كما تشير "نيويورك تايمز"، حصلا مؤخرا على قرض من بنك روسي. وهي معارضة للاتحاد الأوروبي.
تُذكّر قصة ويلدرز في ألمانيا، بتقرير قناة "الجزيرة" الإنجليزية مطلع هذا العام، والذي تضمن فيلما من أربعة أجزاء عن قوة اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا، ومن ذلك أنّ "دبلوماسيا إسرائيليا تآمر لتدمير عمل سياسيين بريطانيين"، في إشارة إلى مشهد صوّر سراً لشخص يعمل في السفارة الإسرائيلية، يسأل موظفة تعمل في موقع رفيع بالبرلمان في دعوة عشاء: "هل يمكن أن أعطيكِ أسماء أعضاء برلمان اقترح أن تخرجيهم؟".
كذلك نشرت الصحافة الإسرائيلية مطلع هذا العام، أن انتخاب الإيطالي أنتونيو تاجاني، والذي انتخب رئيسا للبرلمان الأوروبي، حظي بترحيب "جماعات يهودية"، نظرا لصداقته معهم ومع إسرائيل. ووصفه موقع "أروتز شيفا" الإسرائيلي بأنه "صديق ومحب حقيقي لإسرائيل، انتخب رئيساً للاتحاد الأوروبي". وقبل ذلك، وفي منتصف العام 2016، أطلق المنتدى الفلسطيني الأوروبي في لندن، تقريراً من 106 صفحات، بعنوان "اللوبي الإسرائيلي والاتحاد الأوروبي"، تضمن فقرات خاصة عن تاجاني، واستند في جزء منه على وثائق من داخل الاتحاد الأوروبي. ومن ذلك اصطحابه رجال أعمال في تجارة السلاح الإيطالية إلى إسرائيل العام 2013، لتشجيعهم على صفقات مع الإسرائيليين، مع أنّ الحديث الدائر حينها كان عن وضع ترتيبات لمنع وصول مساعدات أوروبية للمستوطنات. والتقى هؤلاء في زيارتهم أبرز سياسي إسرائيلي داعم للاستيطان، هو زعيم حزب "البيت اليهودي"، الوزير نفتالي بينيت.
كثير مما نتناوله في أحاديثنا العربية هو من قبيل نظرية المؤامرة، وتعليق أخطائنا على شماعة آخرين. لكن تفاصيل التحرك الإسرائيلي في أوروبا باتت كثيرة وأوضح من أن تهمل، ومن القول إنّه لا توجد "خطة" إسرائيلية منسقة.

التعليق