العقل الجمعي: نظرية الأشخاص العشرة

تم نشره في الجمعة 10 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

(1)
عندما يُجمع تسعة أشخاص (نظرية الأشخاص العشرة هي نظرية تقريبية بالدرجة الأولى، أكثر منها نظرية إقرارية) على أنَّ الشاعر الفلاني (أضربُ هَهُنا مثلاً يمكن تعميمه على كثير من القضايا التي تعصف بالاجتماع الإنساني) هو شاعر الشعراء لا مِن قَبْلُ ولا مِنْ بَعْدُ، فإِنَّ وجود الشخص العاشر يصير مثل وجود كلب أصحاب الكهف؛ ففي ظلّ غياب عقلية نقدية يصير الفرد نهباً لشعور جمعي إلغائي يقتطعُ الأحكام اقتطاعاً، ويُمرّرها تحت وطأة:
1 - جهل مُقدّس يطال الأشخاص التسعة لاعتقادهم بصوابية حُكمهم الجمعي.
2 - تجهيل مُقدّس يطال الشخص العاشر، وتوريثه –شاء أم أبى- صوابية الأشخاص التسعة توريثاً، لكي لا تفقد الأمة معانيها وقيمها الكُبرى في هذا العالَم، على يدّ كل من تسوّل له نفسه مخالفة نواميس الجماعة وفروضها الواجبة.
في تداعيات "الجهل المقدّس" يتم الترويج لفكرة صوابية العقل الجمعي، سواء في مُدخلاته أو في مُخرجاته. وفي تداعيات التجهيل المُقدّس يتم الترويج لفكرة ضلالية العقل الفردي، سواء في مُدخلاته أو في مخرجاته؛ لذا يتم الضغط باتجاه ترحيل معطيات التجهيل المقدس إلى منطقة الجهل المقدس، بحيث يتم سحق ضلالية الشخص العاشر وإعادته إلى جادة الصواب الجمعي، فلا يعود ثمة فرق بين الشخص الأول أو الشخص الثامن في الحكم على شاعر الوطن أو القبيلة أو القومية أو العقيدة، بل ثمة توحيد للآراء بإزاء هذا المُنتج، بما يضفي نوعاً من التساوي في الفرصة المعرفية، فلا يعود من حقّ أحد مخالفة هذه المسطرة الطاهرة.
وبإزاء مثل هذه التداعيات، يخضع النمط المعرفي السائد إلى عملية مراقبة شديدة، من قبل حُرّاس يتم الاصطلاح عليهم رسمياً واجتماعياً، بحيث لا يتم تجاوز هذا النمط أو التعقيب عليه سلباً، بما يقود الحالة المعرفية بإزاء هذا الشاعر أو ذاك الفيلسوف أو ذلك العالم أو رجل الدين أو عالم الاجتماع أو الناقد الأدبي... إلخ، إلى حالة من الثبات غير المُثمر؛ إذ يتساوى النور والظلام إلا من زاوية "صوابية/ ضلالية"، بما يُلغي بقية التجليات الأخرى، تحديداً تلك التجليات المعرفية، التي يمكن أن تدفع بالحراك المعرفي ودوره في تنشيط الدورة الحضارية ناحية الأمام، فالأمة التي تبحث عن مَخرج عالمي لمُدخلاتها المحلية، لا يمكنها أن تركن إلى نظرية قرن الثور الثقافي، فالمُفكّر الأوحد، الروائي الأوحد، الشاعر الأوحد... إلى آخر هذه الوحدانيات المُبجّلة، هو تمجيد سلبي للحظة الإبداعية، وتعطيل لحركتها الوجودية الدائبة، وحصرها في جماجم بعينها، وتعقيب إكراهي على كل الذوات الأخرى، والتقليل من شأنها، فهي أحطّ من أن تُنتج شرطاً معرفياً جديداً، لديه القدرة على تقديم ما هو نافع ومفيد للحضارة الإنسانية.
(2)
ليس بالضرورة أن تكون مواضعات العقل الجمعي مواضعات سلبية، بل قد تكون نِتاج حِراك فردي كبير، فالمُدخلات الفردية احتكت ببعضها بعضا وولّدت شرارة لِنِتاج معرفي جمعي، تعدّدت فيه الرؤى والأحكام، حول موجودات هذا العالم، بما أفضى إلى حالة معرفية إيجابية. لكن الخطورة الكبيرة هي في الركون إلى المُخرجات هاته، واعتبارها نقطة قصوى في علاقة الفرد بالكل من جهة، وعلاقة الكلّ بالعالَم وموجوداته من جهة ثانية؛ وعدم التحفيز الدائم على تنشيط المُدخلات الفردية لهذا العقل الجمعي، بما يلغي إمكانية أي تجاوز لتلك المُخرجات، إذ تتحوّل إلى روافع سيكولوجية لأمة من الأمم من ناحية، وإلى ثوابت معرفية من ناحية أخرى.
فنظرية الأشخاص العشرة (9 + 1) على المستوى المعرفي، وعلاقة الجزء الفردي بالكلّ الجمعي، ستعمل على إنامة أمة من الأمم نومة حضارية كبرى، لن تستيقظ منها إلا بتعطيل الإمكان القُدسي لـ"مُدخلات/ مُخرجات" العقل الجمعي، سواء بالنسبة للأشخاص التسعة الذين يؤمنون بها إيماناً تسليمياً، تحت وطأة جهل مُقدّس، يفترض صوابيةً كاملة لأحكامه في الحياة، أو بالنسبة للشخص العاشر الذي يؤمن بها إيماناً إكراهياً تحت وطأة تجهيل مُقدّس، يفترض –من قبل أتباع منظومة الجهل المقدّس- ضلالية حُكمه، التي لا تعدو في كثير من الأحيان مجرد مراجعات لأوليات التفكر الجمعي، أو أولوياته فقط لا غير، من دون المساس بالثوابت القصوى التي يحتكم إليها هذا العقل، واعتبرت بالتقادم نواميس كبرى، لا تصقل شخصية الأمة الجمعية وعلاقتها بشخصيات الأمم الأخرى فقط، بل وتمنحها معناها الوجودي في هذا العالم أيضاً، فمن دون هذه النواميس تتعرّى الأمة وتصبح نهباً لشعور عَدَمي. لكن أن يتم –وهذي أولى خطوات الاستيقاظ الحضاري- التوقّف ملياً عند "مُدخلات/ مُخرجات" العقل الجمعي، بـنِيةِ مراجعتها والتوثّق من حقيقيّتها وقدرتها على الصمود أمام مُنجزات العقل البشري الجديدة، وعلاقة ذلك كلّه بوجود أمة من الأمم على المستوى الحضاري، فإنه سيعمل على تفتيت منظومة هذه النظرية (= 9 + 1)، ويضع العقل الجمعي على سرير الطبيب العقلي، فالفرد حاضر وبقوةٍ هذه المرة في مراجعة –كخطوة أولى كما أسلفت- ثوابت ذلك العقل، وتفكيك منظومتها –كمرحلةٍ ثانية- تفكيكاً معرفياً، بعيداً عن لغة التخويف والترهيب التي يلجأ إليها أتباع الجهل المقدّس للحيلولة دون أي نقد لما يؤمنون به، من قبل أتباع التجهيل المقدس. واستبدالها –كخطوة ثالثة- بغيرها، بحيث تنسجم مع المقتضيات الزمكانية التي ينوجد بها هذا العقل في العالم. وجعلها –بعد عمليات صقل دائم ومُتنامٍ- في مرمى الإنسانية جمعاء، بحيث لا يتم الاستيقاظ فقط من حالة السبات الحضاري التي أصابت الأشخاص العشرة، بل يتم الزجّ –زجاً إيجابياً- بالفرد ليكون أحد صنّاع الحضارة الإنسانية، فهو إذ ينتمي إلى أمة من الأمم، فإن انتماءه لها لا يعني الحفاظ على طهارتها، بقدر ما يعني تجاوزها إلى ما هو أرحب وأبدع، بحيث يكون شريكاً لذاوتٍ كثيرة وعديدة في صناعة مشهد إنساني، لا يمكن له أن يتقدّم ناحية الأمام، إلا بتضافر جهود الكل، فالفرد نظير العالَم، ومن دونه ينهار ولا يعود له معنى بتاتاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استفسار (houssine)

    السبت 1 تموز / يوليو 2017.
    الاخ العزيز معاد
    من هو صاحب نظرية الاشخاص العشرة