الهويّة الوطنيّة: حين لا يكفي "القانون"

تم نشره في الجمعة 10 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

د. نارت قاخون

يتداخل حيّز الهويّات الدّينيّة والعرقيّة ثمّ القوميّة مع حيّز الدّولة، ولكنّها ليست مشروطة بالدّولة وجوداً وبقاء، وهذا خلاف الهويّة الوطنيّة التي لا تكون إلا بالدّولة ومعها.
ولو تجاوزنا تطوّر مفهوم الدّولة وتحوّلاته التي مرّ بها عبر التاريخ وانتقلنا إلى مفهوم الدّولة الوطنيّة التي تقوم على عنصرٍ تكوينيّ هو "المواطن"، وعنصر هويّاتي هو الهويّة الوطنيّة، فإنّ هذه الهويّة تتمتّع بخصائص تحمل عناصر قوّتها ومصادر مشكلاتها في الوقت نفسه؛ فهي الهويّة التي تُكسب صاحبها وجوده "القانونيّ" في هذا العصر؛ فمعادلة الحقوق والواجبات فرع عن هويّة الإنسان الوطنيّة، فهي التي تحدّد له الحيّز الجغرافيّ الذي يكون وجوده فيه وجود مواطن يستطيع أن يمارس حقوقه كاملة –أو هكذا يفترض- في هذا الحيّز دون إذن إضافيّ سوى قانونيّة مواطنته التي يكتسبها بمعطيات قانونيّة ودستوريّة. وهي التي –أي الهويّة الوطنيّة القانونيّة- تحدّد له ممكنات الانتقال بين الفضاءات الجغرافيّة المختلفة، فلا يسافر إلى بلد غير بلده إلا وفق ما تقتضيه ممكنات هذا الانتقال كما تحدّدها قوانين بلاده وقوانين البلاد التي ينوي السّفر إليها إمّا سائحاً أو زائراً أو عاملاً أو "مهاجراً" أو لاجئاً.
ولكنّ ارتباط الهويّة الوطنيّة بالدّولة والقانون ارتباطاً شرطيّاً يجعلها متأثِّرة كثيراً بسيرة الدّولة التي ترتبط بها، لذلك تكون عرضة للقلق المصاحب لسيرة الدّولة ومسيرتها، فالهويّات الدّينيّة والقوميّة غالباً ما تتميّز بعمق تاريخيّ أكبر يجعل تأسيسها وسيرتها متداخلة مع الأساطير والسّرديّات أكثر من التاريخ وحقيقة الأحداث التاريخيّة، أي تشبه إلى حدٍّ ما الغابات والنّباتات البريّة التي تنمو في ظلّ معادلات قد تتسم بالعشوائيّة والظّرفيّة، أمّا الهويّة الوطنيّة فتشبه "الحديقة المنزليّة"، أي تُزرع وتُرعى و"تنسّق"، وهي تاريخيّاً أحدث من الهويّات الدّينيّة والقوميّة، فكثير من دول العالم التي تمنح مواطنيها هويّاتهم الوطنيّة حديثة النشأة، حتى في تلك العريقة منها فإنّ مفهوم الهويّة الوطنيّة حديث الزمن نسبيّاً في حلوله محلّ الهويّات القوميّة والعرقيّة.
حداثة نشأة الدّول، واختلاف ظروف إنشائها، وغرابة هذه الظّروف أحياناً، ووجود عوامل خارجيّة واضحة في أحيان أخرى، يصيب الهويّة الوطنيّة أحياناً بقلق النّشأة، وهو قلق لا يزول بسرعة ولا سيّما حين لا تملك الدّولة سرديّة مقنعة وغنيّة لنشأة خالية من أكبر قدر من عوامل القلق.
ومن أسباب القلق والاضطراب في الهويّة الوطنيّة أن لا تقنع بالإطار القانونيّ والدّستوريّ مكوّناً وضابطاً لها، بل تحاول أن تكون هويّة "ثقافيّة وتاريخيّة"، وحينها تتحوّل التجليّات الثّقافيّة إلى تجليّاتٍ للهويّة الوطنيّة، ولكنّ هذا التحوّل مع ما يرافقه من تداخل وتقاطع بل وتنافر أحياناً مع مكوّنات الهويّة الثّقافيّة الناشئة من الهويّات الدّينيّة والقوميّة والخبرة الشّعبيّة والإرث الشفويّ والكتابيّ والحدود الجغرافيّة لحيّز الفعل الإنسانيّ يؤدّي إلى تشكيل هويّة وطنيّة تعاني من القلق والاضطراب. ويزداد هذا القلق إذا كان حيّز الدولة الوطنيّة الناشئة لا يتطابق مع حيّز الوجود البيئيّ والجغرافيّ الذي صنع خبرة مواطني هذه الدّولة. وهذه قضيّة مهمّة فإنّ مدى تطابق الحدود السّياسيّة مع الحدود الجغرافيّة والخبرة التّاريخيّة يُكسب الهويّة الوطنيّة عوامل قوّة واستقرار قد تفقدها هويّة وطنيّة لا تحقّق هذا التّطابق بنسب كافية. وإذا ترافق هذا مع ظهور "الدّولة" بوصفها كياناً قانونيّاً وسياسيّاً قبل بروز الحسّ الوطنيّ أو المشروع الوطنيّ تصبح الهويّة الوطنيّة "نبتاً" يحتاج الكثير لزراعته في بيئة قد تكون جديدة، ثمّ رعايته لينمو نموّاً يتجاوز مشكلات التقاطعات وعدم الاتّساق بين السّياسيّ والجغرافيّ البيئيّ، فتصبح الدّولة مطالبة بتجاوز هذه العقبات إضافة لعقبة كونها سابقة لتشكّل هذه الهويّة، فأدوار الدّولة بوصفها نتيجة من نتائج مشروع وطنيّ تختلف عن أدوارها حين تكون هي المطالبة بخلق هذا المشروع الوطنيّ الذي سيحمل معه مشروعيّتها التّاريخيّة والوطنيّة.
وحين تكون العوامل الخارجيّة مثل "الاستعمار" و"الانتداب" و"الاحتلال" و"التقسيم بقوّة الآخر" عوامل ظاهرة وفاعلة في تشكيل الهويّات الوطنيّة تتضاعف التّحديّات التي تواجه هذه الهويّات لتحقّق الرسوخ والوظيفيّة، ولا تكاد هويّة وطنيّة في هذا العصر إلا وهي متأثِّرة في نشوئها بهذه العوامل بصورة أو أخرى، لذلك نستطيع ملاحظة الفروق في القوّة والاستقرار بين هذه الهويّات بقدر اختلاف السّرديّات الوطنيّة التي "تبدعها" القوى المفكِّرة الناعمة والخشنة في هذه الدّول قوّة وتماسكاً ووظيفيّة.
وإذا فرض التّاريخ والجغرافيا أن تتداخل في حيّز الدّولة السياسيّ مجموعات بشريّة ينتمي بعضها "جغرافيّاً" إلى حيّزها الجغرافيّ بوجود سابق لنشأتها، وينتمي بعضها الآخر إلى حيّز جغرافيّ آخر لم يحقّق بعد "دولته" والوجود القانونيّ الدّستوريّ لهويّته الوطنيّة، ولكنّ الظّروف جعلته جزءاً من الحيّز الجغرافيّ لدولة أخرى ثمّ صار جزءاً من الحيّز القانونيّ لاحقاً، فإنّ أزمة في الهويّات والانتماءات قد تظهر بين رعايا الدّولة ذات الهويّة السياسيّة والقانونيّة الناشئة، وتتجلّى الأزمة في أعمق صورها بين فئتين من هاتين الهويّتين؛ الأولى فئة ممن يتمتّعون بأسبقيّة وجوديّة في الحيّز الجغرافيّ للدّولة يرون أنفسهم "المواطنين الأصليين" لهذه الدّولة، وهم أصحاب الحقّ في تقاسم مغانمها؛ فهذه "دولتهم" التي تعبّر عن هويّتهم الوطنيّة الفارقة والمائزة عن الهويّات الأخرى. والثّانية فئة ممن أصبحوا جزءاً من هويّة هذه الدّولة القانونيّة بفعل ظروف تاريخيّة لاحقة، ولكنّ هويّتهم السّياسيّة والثّقافيّة مرتبطة بمشروع "وطنيّ" و"سياسيّ" ينطلق من الحيّز الجعرافيّ والثّقافيّ لوطنهم الذي لم تتشكّل دولته بعد، بل ما يزال يعاني من الموانع التي تحول بين وجوده وعودته أو إمكان عودته إلى بلاده التي جاء منها، وإقامة دولته الوطنيّة في حيّزها الجغرافيّ.
ونتيجة لأخطاء سياسيّة وظروف تاريخيّة وتدافع بين هاتين الفئتين تصبح الهويّة الوطنيّة المؤسّسة على مفهوم المواطن القانونيّ هويّة قلقة ومتشظيّة، وتُقحم في ضدّيّات قد تكون متوهّمة.
لا تصير "الهويّات" مصدر قلق إلا حين ترتبط بتعارض مصالح الفئات المنتمية لهذه الهويّات. ومتى لم تنجح هويّةٌ ما بتحقيق الحدود المطلوبة من المصالح المشتركة لأبنائها فإنّها مرشّحة للتّشظّي والتفكّك إمّا بالتّضييق أو التوسّع العابر لها. وعيار النّجاح في الهويّة الوطنيّة من وجهة نظري أن تكون صفة "المواطن القانونيّ" الشّرط الكافي والوحيد لمنظومة الحقوق والواجبات، أي أن تتطابق الهويّة القانونيّة مع الهويّة الوطنيّة، بمعنى أن يكون الأردنيّ، مثلاً، هو من يكتسب هذه الصّفة بالقانون، دون أن يمنع ذلك أبناء هذه الهويّة الوطنيّة القانونيّة من ظهور هويّات أوسع أو أضيق منها، شرط أن لا تكون هذه الهويّات مصدر تعارض مع الهويّة الوطنيّة القانونيّة، وهذا يتطلّب تهيئة إجراءات "جريئة" تتجاوز الأخطاء السّابقة بالتّعامل معها لا بالتّغافل عنها، لتتحقّق المطابقة بإحدى طريقتين: إعادة تعريف الهويّة الوطنيّة "التّاريخيّة" على شرط الهويّة القانونيّة، أو إعادة تعريف الهويّة القانونيّة على شرط الهويّة الوطنيّة "التّاريخيّة" لمن ينادي بذلك، أمّا بقاء المساحة بين الهويّتين فهو إبقاء لمساحة القلق والاضطراب و"الظّلم" أو "ادّعاء المظلوميّة" أيضاً.

التعليق