العولمة والحداثة تفاقمان حالات الانتحار

تم نشره في الجمعة 10 آذار / مارس 2017. 01:00 صباحاً

أسامة شحادة

تصاعدت حالات الانتحار في الدول العربية في العقد الأخير بشكل ملحوظ، حتى أصبحت هناك علاقة طردية بين تغلغل العولمة في مجتمعاتنا وارتفاع أعداد المنتحرين! وهو ما يتكامل أيضا مع تصاعد موجة القتل؛ إذ تكاثرت حالات القتل لأتفه الأسباب، ومن مختلف الشرائح العمرية والتعليمية والوظيفية. وشهدنا تكاثر حالات قتل المحارم وتنوعت أساليبها بما يماثل كثيرا مما يعرضه عدد من أفلام الحركة والإثارة (الأكشن) وألعاب الفيديو.
إن العولمة والحداثة، بشكل عام، أفرغتا قلوب كثير من الناس في مجتمعاتنا وعقولهم من تعظيم أمر الدين وأحكام الله عز وجل التي تحرم قتل النفس، وأبدلتاه لديهم بمفاهيم وأفكار تنفي وجود عالم الغيب واليوم الآخر، وتزعم أن الإنسان يملك ذاته ويملك حرية التصرف بروحه وجسده من دون مساءلة من أي جهة. ثم صدّرت لمجتمعاتنا ثقافة الانتحار عبر الأفلام والأغاني التي أصبح كثير من المنتحرين عندنا يقلدها في الدوافع وأسلوب التنفيذ.
والتصاعد الصاروخي لحالات الانتحار ظاهرة عالمية؛ إذ بحسب تصريحات منظمة الصحة العالمية، هناك مليون حالة انتحار سنويا، بمعدل 2740 حالة يوميا، ما يعني أن هناك حالة انتحار كل 40 ثانية تقريبا! وتقول المنظمة إن هناك تصاعدا في حالات الانتحار المسجلة خلال الـ45 سنة الأخيرة بنسبة 60 %.
ومع انتشار فلسفات مادية وإلحادية في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، على غرار فلسفة العبث لألبير كامو الذي دعا إلى الحياة بلا هدف، أو الفكر الوجودي الذي حمله جان بول سارتر ويجعل من الوجود الإنساني هو الحقيقة اليقينية المطلقة، وأن الإنسان هو من يصنع ذاته وكيانه ويخلق عمله ومن دون حاجة لخالق، وأنه من يحدد القيم التي يستظل بها، وذلك رداً على فكرة الخطيئة السابقة للوجود... أخذت البشرية تترنح من ضلال إلى ضلال طالما بقيت بعيدة عن أنوار الوحي الرباني الذي تكفل لها بالهداية: "قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة، الآية 38). وكم عانت البشرية، ببعدها عن هدي الله عز وجل، من الخوف والحزن.
وقد تسربت هذه الأفكار للفنون والآداب في الغرب، وانتجت شخصية اللامنتمي بكل عقده ونقائصه، حتى وصلت به إلى دركات سحيقة من الانحطاط؛ فراج الهذيان وانتشر الجنون والانتحار، لأن اللامنتمي لا يرفض الحياة فحسب، وإنما يعاديها لأن عالمه مجرد من القيم. ومن هنا تنبع أهمية التدين والإسلام في المجتمع، لأن الإسلام منبع القيم الصحيحة ومصدرها.
ومجتمعاتنا، عموماً، تسير على خطى المجتمعات الغربية إلى الهذيان والجنون والانتحار. فهذه الأجيال الغارقة حتى أذنيها في تلقي ثقافة العولمة عبر طوفان الإعلام والإعلان والفن القادم من الشمال للجنوب حاملا جراثيم أفكار الحداثة وما بعد الحداثة، أصبحت، في غالبيتها ربما، تعاني استفحال الأمراض النفسية كالاكتئاب والذهان والعصاب والاغتراب والعزلة والفردية من جهة. ومن جهة أخرى، أصبحت فاقدة للأمل لا تملك خلق الصبر والتحمل، ولذلك يسارع أفراد إلى الانتحار ربما لأتفه الأسباب؛ في تقليد تام لما يتلقونه من ثقافة وافدة.
وهذا القسم من المنتحرين مشكلته نفسية فكرية بالدرجة الأولى. ولوقف هذه الظاهرة أو الحد منها، يجب التركيز على تصحيح المفاهيم الشرعية لدى هؤلاء الناس؛ بتوعيتهم بخطر الأفكار والمفاهيم المادية والإلحادية التي تسربت لهم بشكل غير واعٍ عبر أفلام وأغان وحوارات على وسائل التواصل، وبالتركيز على ترسيخ الإيمان بالغيب واليوم الآخر، وأن الموت والانتحار ليسا نهاية وجودك بل انتقال للعالم الأبدي! وإقناعهم بسموّ الإنسان على عالم المادة وعالم الحيوان اللذين رسختهما نظرية دارون، وأن لوجودهم غاية سامية: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات، الآية 56) وليس لأغراض تافهة أو محرمة!
وهذا سيفتح الطريق للإيمان بالقضاء والقدر؛ حلوه ومرّه، والصبر عليه، مما يفتح باب الأمل والبدائل عن هذا الغرض المفقود. ومن يقارن حال هؤلاء المنتحرين بصمود وصبر المؤمنين تحت القصف والقنابل في فلسطين أو العراق أو سورية أو غيرها، سيوقن بدور الإيمان في ثبات الإنسان أمام الشدائد، وكيف أنه (الإيمان) يمنح أصحابه الصحة النفسية والسلامة الروحية. وبالطبع، فإن الإيمان لا يتعارض مع تلقي العلاج النفسي، بل تقوية الإيمان تساعد كثيرا في سرعة شفاء المرض النفسي غالباً.
وهناك قسم آخر من المنتحرين تكون ضغوط الحياة، من الفقر والظلم والمرض، سببا للجوئه إلى الانتحار. وهؤلاء ضعف إيمانهم من جهة، وضعف وتقصير الحاضنة المجتمعية من حولهم، من أهم أسباب انتحارهم.
وهذه أيضا من إفرازات العولمة التي تسعى إلى حصر الدين في المجال الشخصي والفردي، وتضغط بقوة لحصار الدعوة الإسلامية بتحجيم التعليم الشرعي، مع فتح المجال واسعا للعابثين في أمور الدين من غير المختصين أو ممن يتوافقون مع طرح العولمة ممّن يحسبون على الدين!
كما إن محاربة العمل الخيري الإسلامي ومحاولة تدجينه باسم محاربة تمويل الإرهاب كشفتا الغطاء عن كثير من المحتاجين والفقراء وجعلتهما وحيدين أمام أنياب الرأسمالية المتوحشة التي لا تقدم حلولا للفقر، بل تطحنهم طحنا بإغراءات الإعلانات الاستهلاكية، وتطحنهم بغلاء الأسعار وجني الأرباح وتطحنهم بفرض الضرائب وتطحنهم بنزع الطيبة من قلوب الناس وتحويلهم لآلات صماء تبحث عن المتعة وتتمتع بالأنانية!
وللحدّ من هذه الحالات، تلزم تقوية الوازع الديني في المجتمع بما يقوى الشخصية الإيمانية لدى أفراده بالوعي الصحيح لحالة الابتلاء ووجوب الصبر والرضى وعدم التسخط، وذلك بتطوير مناهج التعليم الدينية في المدارس لتتصدى لما يحتاجه الناشئة فعلاً من توعية دينية ليمتلكوا روح الإيمان عن قناعة، ويتمكنوا من مجابهة ضغوط العولمة المادية والمنكرة لعالم الغيب، وليس التطوير الذي يسلب الروح من الإيمان ليكون إيمانا شكليا لا يقوى على مجابهة أمواج العولمة. وكذلك تطوير الخطاب الإسلامي في المساجد والإعلام في مضامينه ليحيي القلوب بعزة الإيمان، ويقنع العقول بقوة أدلة الإيمان عبر إسناد الخطابة والوعظ للمؤهلين، ودعم وتقوية التعليم الشرعي الذي سيكون السد المنيع أمام تعاظم موجة التطرف والإرهاب المقبلة، إذ إن التطرف والإرهاب سيكونان في المرحلة الحالية أفضل أدوات الخصوم في محاربتنا، وما لم ندرك أن تقوية الحصانة الدينية في مجتمعنا هي الحل الوحيد فسنندم كثيراً. ولذلك، فإن حصار التدين وإضعاف منافذ الدعوة الإسلامية الصحيحة هما فتح لباب تسرب الشباب للتطرف والإرهاب بالانضمام للجماعات الإرهابية لانعدام البدائل السليمة، وتزايد حالات الانتحار لضعف حصانة أفراد المجتمع الدينية!
ومما يحدّ من حالات الانتحار تقوية اللحمة المجتمعية بمساعدة الضعيف والمظلوم وردع المعتدي والظالم، من خلال توعية المجتمع بالأحكام الشرعية المتوجبة عليه تجاه الضعفاء والمحتاجين وتشجيع كل المبادرات الأهلية لرعاية الفقراء ضمن إطار القانون والشفافية مع تسهيل الإجراءات الرسمية، كما يلزم قيام الدولة بواجبها تجاه الفقراء والمحتاجين والمظلومين من كفاية وحماية وعدل.
من شمولية الإسلام أنه عالج قضية الانتحار، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا" (النساء، الآيتان 29 و30)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسمٍّ، فسمّه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو متردٍّ في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" (متفق عليه).
فنهى الإسلام عن قتل النفس، لأن الإنسان لا يملك نفسه وروحه، ولأن صبره وتحمله يفتحان له أبواب التوفيق والتعويض في الدنيا والآخرة. والإسلام فتح باب الأمل أمام الناس جميعا دوماً: "فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا" (الشرح، الآيتان 5 و6)؛ فالعسر الواحد معه يسران إذا وثق الإنسان بربّه ورضي بقضائه. وكلنا يعرف قصصا كثيرة لحالات بلغت من الضر والفقر والمرض الشيء الكثير، ثم جاء الفرج والخير.
إن واقعنا اليوم واقع صعب، وإن أصعب ما فيه أن إيماننا وروحنا وقوتنا يتم سلبها منا بإضعاف التدين وتجفيف منابعه بهدوء، وتحريف مفاهيمنا الشرعية، وسرقة قيمنا وتبديلها بقيم مادية فارغة بالصور البراقة والمشاهد والأصوات الأخاذة التي تحيط بنا وتصبها علينا الشاشات والأطباق اللاقطة. وما لم نبادر -أفراداً وجماعات ومؤسسات- فإن الظواهر السلبية للعولمة والحداثة ستتكاثر وتحاصرنا.

التعليق