النار المالية القادمة

تم نشره في الاثنين 13 آذار / مارس 2017. 12:00 صباحاً

سيمون جونسون*

واشنطن - في أوائل العام 2007، بدأت أسوأ أزمة مالية منذ ما يقرب من 80 عاما بالظهور، ومما زاد الأمور سوءا بعد 18 شهرا، انهيار بنك ليمان براذرز وموجات الصدمة الواضحة في جميع أنحاء العالم. وقد أنقذتنا إجراءات حكومية يائسة من الكساد العظيم الثاني، كما تعهد المسؤولون بعدم مواجهة نفس المخاطر "مرة أخرى". وشرع السياسيون والبنوك المركزية في عمليات واسعة للإصلاح على المستوى الوطني والتنسيق الدولي - وكلها تهدف إلى تقليل فرصة انهيار البنوك الكبرى.
بعد عقد من الزمان، أصبح النظام المالي العالمي أكثر أمنا نوعا ما نتيجة لهذه الجهود. ومن نواحي أخرى، مع ذلك، لم يتغير الهيكل كثيرا - وربما أصبح أكثر عرضة للخطر. لكن بدلا من استكمال عملية الإصلاح، يبدو أن صناع السياسات على جانبي الأطلسي عازمين على التراجع عن معظم التدابير التي تعزز ما تم إحرازه من تقدم.
وقد أسفر العقد الماضي عن ثلاثة إنجازات رئيسية. بداية، فشلت بعض الشركات المالية، ولسبب وجيه: كانت نماذج أعمالهم سيئة، وكانت تديرها بشكل سيء، أو كلاهما. في نفس الوقت، وسعت المؤسسات المالية الأقوى حصتها في السوق.
ثانيا، تحول تمويل البنوك عن الديون نحو الأسهم. كان لدى أكثر من بنك بارز من قبل الأزمة أقل من 2 % من تمويله من الأسهم - وهذا يعني أن أكثر من 98 % كانت تمول من الديون. وهذا لا يحدث اليوم.  
ثالثا، هناك الآن قيود على أنشطة أكبر البنوك. ما يسمى بقاعدة فولكر منعت تداول الملكية - شكل من أشكال المضاربة الداخلية - عن طريق البنوك التي مقرها الولايات المتحدة. وفي بلدان أخرى، أصبح مشرفو البنوك أكثر تشككا حول حدوث مخاطرة متطورة. سلوكيات يجب الحذر منها.
لكن مع الأسف، كل هذه الإنجازات قد تكون سريعة الزوال. يريد أصحاب النفوذ إزالة القيود المفروضة على البنوك في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. على سبيل المثال، يمكن أن نتوقع أن تتعرض قاعدة فولكر لضغوط كبيرة من جولدمان ساكس والعديد من خريجيها الذين يعملون الآن في مناصب عليا في حكومة الولايات المتحدة.
غاري كوهن، رئيس جولدمان ساكس السابق والرئيس التنفيذي للعمليات الذي يرأس حاليا المجلس الاقتصادي القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقول إنه علينا تخفيض متطلبات رأس المال (بمعنى السماح للمزيد من الديون وتمويل أقل للأسهم في البنوك) من أجل تعزيز الاقتصاد. هذا هو بالضبط ما حدث في وقت مبكر من عام 2000. إذا حقق كوهن غايته، فإن العواقب ستكون مشابهة: أي كارثية.
منذ العام 2008، أصبح النظام المالي العالمي أكثر تركيزا على الطرق المهمة. وقد تواصلت أكبر البنوك الأميركية بشكل جيد مع منافسيها، بما في ذلك المصارف الأوروبية الكبيرة. ونتيجة لذلك، ستظل البنوك في الأسواق الرئيسية - ولاسيما المؤسسات المالية الأساسية في العالم - مثل بنك جيه بي مورجان تشيس ضخمة للغاية بحيث لا يمكن السماح بانهيارها.
وتبدو المالية معقدة في بعض الأحيان، لكن ما هو على المحك بسيط جدا. السناتور الأميركي جاك ريد لخص المسألة مؤخرا بشكل جيد: "لا تحتاج منطقتي لآلات حاسبة خيالية من وول ستريت أو صيغ لفهم أن هناك قيمة وفائدة لإصلاح وول ستريت ومراقبة الجشع المتهور بشكل مستمر. هناك قيمة وفائدة لحماية المستهلكين وأجورهم التي كسبوها بشق الأنفس. وهناك قيمة وفائدة لإبقاء الأسر في بيوتها وتجنب الرهن".
تتكون وجهات نظر المسؤولين الحكوميين عن السياسة من خلال نظرتهم للعالم - والتجارب التي مرت عليهم. إذا أصيب شخص ما بشكل كبير من جراء الأزمة المالية، فمن غير المحتمل أن يرغب هذا الشخص في خوض نفس التجربة مرة أخرى.
لكن إذا نجح شخص في ذلك حقا - عن طريق شراء أصول رخيصة في الجزء السفلي من المجموعة مثلا، أو توسيع حصة السوق - فإنه يبدو من المعقول أن نفترض أنه أقل عرضة لاتخاذ الحذر. فقد ركز ريد على هذه النقطة بالضبط  في حديثه عن مدى ملائمة ستيف منوشين - وجولدمان ساكس نائب الرئيس التنفيذي السابق - لمنصب وزير المالية: "الشخص الذي بنى ثروته بعنف على ظهر مواطنيه الأميركيين لا يملك القيم الصحيحة، من وجهة نظري، ليكون وزير المالية لدينا. واستنادا إلى سجله، أنا لست مقتنعا أن منوشين قادر على تجفيف المستنقع، وأخشى أن يتمادى في تزوير النظام لصالح 1٪ على حساب الطبقة العاملة الأمريكية".
لكن مجلس الشيوخ الذي دعم منوشين، والذي أشار إلى أننا على وشك العودة إلى الوضع السابق. كما وثقت أنا وجيمس كواك  في كتابنا بعنوان "13 مصرفي"، أدى إلغاء القيود المالية في عام 1980 وعام 1990 إلى طفرة العقارات في أوائل العام 2000، الأمر الذي مهد الطريق لانهيار مالي العام 2008، والذي أدى بدوره إلى ظهور موجة جديدة من الإصلاح في عام 2010 وبعده. كانت الإصلاحات جدية، لكنها لم تذهب بعيدا بما فيه الكفاية، وكان بإمكانها أن تتراجع دون أي صعوبة. وتستعد إدارة ترامب للقيام بذلك بالضبط.
إن البنوك الكبيرة ستكبر أكثر. ومستويات رأس المال ستنهار. وإدارة المخاطر بطريقة معقولة ستصبح غير مرغوب فيها مرة أخرى. ويستفيد أصحاب النفوذ من الازدهار والكساد. ويمكن أن يتوقع بقيتنا ظلما أعمق ومزيدا من الفقر الناجم عن الأزمة.

*أستاذ في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت

التعليق