د.أحمد جميل عزم

الشهيد و"الفلتان السياسي"

تم نشره في الثلاثاء 14 آذار / مارس 2017. 01:07 صباحاً

من كانوا في "المسيرة" التي اصطدمت مع قوات الأمن الفلسطينية يوم الأحد الماضي في رام الله، على محدودية عددهم، ليسوا من جهة سياسية واحدة؛ فقد كان فيها بعض أبرز وأنشط أعضاء حركة "فتح" الموجودين دائماً على خط التماس مع الاحتلال ومستوطنيه، وفيهم يساريون وإسلاميون ومستقلون، وأهالي شهداء ومعتقلين. وبالتالي، فإن الحديث عن تصنيف واصطفافات فيما يحدث غير منطقي، بقدر ما هناك حالة "فلتان سياسي".
منذ ما قبل استشهاد باسل الأعرج؛ بقتله على يد الاحتلال في قلب مدينتي البيرة ورام الله، والتداعيات في الشارع الفلسطيني تضيف تراكمات جديدة للحالة الفلسطينية التي يغلب عليها عدم وضوح الرؤية، وتزايد الفجوة بين السلطة الرسمية والمستوى الشعبي الذي قد يأخذ شكل حالة احتقان، أو شعور بالعجز الشعبي وعدم وجود دور سياسي أو وطني، وعدم القدرة على تأييد برامج سياسية أو تحركات، وذلك لعدم وجود هذه البرامج، أو لعدم ترويجها وبالتالي عدم القدرة على رؤيتها والاقتناع بها. يضاف إلى ذلك غياب تجديد للمجلس الوطني الفلسطيني، وغياب المجلس التشريعي الفلسطيني. وكل هذا ما يمكن تسميته بالفلتان السياسي.
إنّ الوظيفة الأساسية للدولة، أي دولة، هي حماية ذاتها ومواطنيها من العدو الخارجي، وفرض الأمن الداخلي. وإذا كان الوضع الفلسطيني خاصا جداً بسبب الاحتلال، وبسبب المزاوجة بين السلطة والسعي إلى الاستقلال من جهة والاحتلال، فإنّ هذا يزيد كثيراً من الحاجة إلى تعبئة الطاقات الشعبية وتحقيق التفاف شعبي حول القيادة.
إنّ تحدي المتظاهرين المعارضين بأنهم أصحاب أجندات خارجية أو غير موجودين إلا في قلب المدن الفلسطينية وليس على نقاط التماس مع جيش الاحتلال ومستوطنيه، لم يعد مُجديا، خصوصاً بعد أن وجهت هذه الاتهامات بشكل متلفز من قبل قيادات إعلامية أمنية فلسطينية لباسل الأعرج قبل استشهاده، وربما قبل قراره حمل السلاح. وبالتالي، فإن الحديث بأن "لا أحد يمنعكم من مواجهة الاحتلال" لم يعد مجديا، بل يساعد على حسم قرار البعض بالانتقال من المقاومة الشعبية والمعارضة السياسية، إلى أشكال مقاومة أخرى، يحاكمون عليها في محاكم "السلطة".
هناك قائمة طويلة جداً من الشهداء الذين قتلهم الإسرائيليون من دون أن يقدموا على أي فعل مقاوم (سوى وجودهم في الوطن)، أو من دون مواجهة ومن دون حاجة للقتل، حيث يمكن اعتقالهم مثلا. وأي شعب في العالم عندما يواجه مثل هذه الحالة، لن يراهن على جهود سياسية أو قانونية قد تأتي وقد لا تأتي مستقبلا، لوقف الحالة، بل سيسأل قيادته السياسية: ما العمل، الآن وليس غداً؟ والسؤال لا يقتصر على "ما العمل في ظل القتل اليومي؟" وحسب، بل وأيضاً ماذا عن الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقييد الحركة وعدم وجود مطار وعدم حرية العمل والتجارة والحواجز؟
إذا وجد تصور واضح لكيفية التصدي للموقف، فإنه يمكن بسهولة مثلا مطالبة الشبان بعدم حمل السلاح في وجه العدو، وانتهاج نهج آخر. ولكن عندما لا يكون "الطرف الآخر" ملتزما بالاتفاقات (أوسلو)، يصبح غريبا الالتزام من طرف واحد به.
إنّ باسل الأعرج على سبيل المثال من منطقة الولجة في بيت لحم، التي تشهد كل يوم أبشع عمليات المصادرة والخنق للأراضي، لحد إحاطة منزل بسلك شائك مكهرب، أو حفر خندق حوله، وفصله بجدار يحفر تحته نفقا. هذا يراه أمثال باسل يومياً وتلك منطقة محرمة على "السلطة" وقواتها أيضاً، فكيف يمكن للسلطة أن تقتنع أنّ "منع الفلتان الأمني" يصل لمن يقطن أو يوجد في تلك المناطق، حتى لو تواجدوا فيما يسمى "مناطقها"؟
لقد هددت "السلطة" والقيادة الفلسطينية كثيراً بإعادة النظر في الاتفاقات مع الإسرائيليين والتوقف عن الالتزام بها من طرف واحد. والواقع أنه لم يعد الالتزام من طرف واحد يؤدي فقط لتمكين إسرائيل من فرض أمر واقع وقتل بطيء للمشروع الوطني الفلسطيني، وللحياة الفلسطينية، بل ويؤدي كذلك لتوتر داخلي كبير، مظاهره ليس فقط مجموعة الشبان أصحاب الريادة في العمل الوطني، بل هناك وجه سلبي آخر هو الفلتان الأمني والمخدرات والنشاطات غير القانونية في مناطق مختلفة خارج نطاق "السلطة" وقواتها.
إنّ برنامجا سياسيا واضحا للمقاومة ومواجهة الاحتلال، وأطر سياسية تمثيلية فاعلة، ومن ضمن ذلك تطوير العقيدة الأمنية الفسلطينية، هي التي يمكن، ويجب أن تجعل أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية والمواطنين في خندق واحد دائماً.

التعليق