عيسى الشعيبي

من أراق ماء وجه تركيا؟

تم نشره في الثلاثاء 14 آذار / مارس 2017. 12:04 صباحاً


لا نكتب تشفياً، وإنما أسفاً على ما آلت إليه صورة الدولة التركية في المرآة الأوروبية، خلال الأيام القليلة الماضية، وما لحق بها من هوان لا يليق بمكانة ووزن ودور هذه الدولة الإقليمية المهمة. ذلك أن منع وزراء أتراك من دخول هولندا هو بالأساس تصرف مشين، وسابقة لم يحدث مثيل لها حتى مع وزير من كوريا الشمالية أو دبلوماسي من "سورية الأسد"، الأمر الذي يضاعف من وطأة المشهد الجارح لكبرياء أمة شديدة الاعتزاز بنفسها.
ما حدث لوزير خارجية تركيا في هولندا، وما جرى مع نظيرته وزيرة الأسرة أيضاً، لم يكن ابن ساعته، جراء فورة غضب مفاجئة، بل كان على الأرجح قراراً معبراً عن مناخ أوروبي عام تسوده مشاعر معادية لزعيم حزب العدالة والتنمية، أملاها النزوع التركي المتزايد نحو السلطوية، الأمر الذي خلق استخفافاً متراكماً، إن لم نقل نوبة استهانة وضيق بالزعامة التركية المثيرة لكل أنواع سوء الفهم في محيطها الاوروبي، ناهيك عن جوارها الشرق أوسطي الواسع.
فقبل أن يتعقد الوضع الجيوسياسي التركي، غداة إسقاط الطائرة الروسية، وتخلي شركائها الأطلسيين عنها في مواجهة تهديدات موسكو، وتحدث تلك الاستدارة القهرية، كانت أنقرة ماضية في تقويض صورتها، وفي إضاعة الفرص السانحة لها، تتحدث بلسان طويل وتضرب بعصاً قصيرة، لا سيما إزاء التطورات السورية، حيث كثيراً ما أرغى الرئيس رجب طيب اردوغان وأزبد، ووضع خطوطاً حمراء أمام نظام الأسد، تم تراجع عنها، على غرار ما فعله باراك أوباما ذات مرة.
وحتى عندما حدث التحول في السياسة التركية عقب الانقلاب الفاشل، وجرى ما يشبه المقايضة مع روسيا حول حلب، مقابل الحصول على جزء من المنطقة الآمنة العزيزة على قلبها، بدا دخول القوات التركية إلى تلك المنطقة متعثراً وبطيئاً، وغير مبهر على الإطلاق، لقوة أطلسية ظهرت متوجسة من مغامرتها، تتحسب موضع قدميها، وتحسب ألف حساب لتداعيات تموضعها في البلد المستباح، الأمر الذي ألقى بظلال كثيفة على يقين دولة تخشى من نفسها على نفسها.
ولعل المساجلات الدبلوماسية التركية البائسة حول منبج، وما تخللها من تفضيل أميركي للقوات الكردية الصغيرة، على حساب الدولة الحليفة الكبيرة، كان مثالاً عملياً ملموساً على هبوط منزلة أنقرة في عيون كل خصومها المتربصين بها، بمن في ذلك الأوروبيون الذين راحوا يتعاملون مع الدولة التي يحكمها حزب إسلامي النزعة، كدولة من دول العالم الثالث، لا يؤبه بردود أفعالها، رغم وزنها الاقتصادي الراجح، وموقعها الجغرافي الواصل بين الشرق والغرب.
بكلام آخر، كان الأداء التركي طوال الأزمة السورية، على أهميته الفائقة لثورة الحرية والكرامة، أداءً لا يثير الانطباع الجيد لدى كل المنخرطين في هذه الأزمة. وقبل ذلك كانت أنقرة التي اختزلت ذاتها، ورهنت دورها في العالم العربي بدور حركة الإخوان المسلمين التي غربت شمسها، قد أثارت دهشة واستغرابا شديدين لدى معظم الدول العربية، خصوصاً وأن كثيراً من المسؤولين العرب كانوا يعوّلون على تحالف عربي–تركي في وجه الأطماع التوسعية الإيرانية.
من المؤسف حقاً أن تخفق تركيا، ذات الماضي التليد والحاضر الواعد، في إدارة مختلف أزماتها الخارجية بقدر كبير من الارتجال والتخبط، وأن تفشل في إملاء نفسها كقوة مرهوبة الجانب في المنطقة التي تعتبر مجالاً حيوياً لها، إلى الحد الذي تبدو فيه أنقرة ليست مخذولة من شركائها الأوروبيين والأميركيين فقط، وإنما مخدوعة ومغدور بها من جانب هؤلاء الشركاء الذين لم يتورعوا عن استصغار شأنها بقسوة، وذلك بعد أن جدعت تركيا أنفها بيدها، وأراقت ماء وجهها بنفسها.
وإذا كان صحيحاً أن الأزمة التركية مع أوروبا عموماً، ومع هولندا على وجه الخصوص، سوف تصب مزيداً من الأصوات لصالح التعديلات الدستورية الممهدة لتحويل بلاد الأناضول من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وهو مكسب قصير المدى، فإن من الصحيح أيضاً أن هذا البلد الذي وقفت جيوشه على أبواب فيينا ذات عهد مضى، وحققت حضوراً باذخاً في الآونة الأخيرة، سوف تعاني الكثير في المستقبل المنظور، قبل أن تتمكن من إعادة ترميم صورتها، وتستعيد دورها ومكانتها الإقليميين المعترف بهما.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من اراق وجه تركيا؟؟ (يوسف صافي)

    الثلاثاء 14 آذار / مارس 2017.
    تركيا كغيرها من دول المنطقة تكابد في ظل حرب المصالح القذرة التي تحرق المنطقة والتي تم اشعالها في وجه طفرات الشعوب المطالبة بالعدالة وخلع عباءة التبعيه ولوجا ل استقلال الذات والقرار؟؟ وما زاد الطين بلّه عندما البسوها ثوب "العرقية والمذهبية والأثنية" وما المكون التركي الإ من ذات النسيج ؟؟ ماء الوجه واراقته من عدمه يقاس من خلال سياسة الثوابت وليس سياسة المصالح التي لا ناظم لها استاذ عيسى ؟؟الغرب الأوروبي وكما السيد الأمريكي ضرب بعرض الحائط في كل معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما القت حرب المصالح القذرة التي اشعلوها (الفوضى الخلاقّة)باليسير من ظلالها على المجتمع الغربي(بضعة آلاف من اللاجئين ) ولم يدغدغ مشاعرها هول معاناتهم ولم تقرأ قرارتها من خلال ماء وجهها (التزامها المعلن مع الغير) ؟؟؟ السيد اردوغان يعيش ونبض الشعب التركي مع الإعتزاز بالذات والعقيدة ؟؟ ؟ وماذا ينفعه التبعية لهذا وذاك والسكوت على ما يطال تركيا وشعبها من تلك الدول التي لاترى سوى مصالحها اولا ؟؟؟ اذا خسر ماء وجهه مع الشعب الذي انتخبه ؟؟؟ احرام على اردوغان الدوح حلال للطير من كل غرب ؟؟؟