النظافة أولا.. وثانيا وأخيرا

تم نشره في الثلاثاء 14 آذار / مارس 2017. 12:01 صباحاً


أما الدليل الحسي الصارخ على فشل المدرسة والتعليم، فهو وسخ حماماتها وغرفها وساحاتها والشارع الذي تقع فيه إذا كانت توجد فيه دكان أو بقالة، والحديقة العامة بعد زيارة الأطفال/ التلاميذ والناس لها. وهو موضوع لم تتطرق إستراتيجية الموارد البشرية إليه على الرغم من أهميته القصوى.
لقد دعوت قبل عامين المسؤول الأول وفي مكتبه وفي وزارته الابتداء بالإستراتيجية من الحمامات المدرسية. فلعله بعد ذلك تشيع النظافة في حمامات المرافق العامة كالمدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والأفران والمطاعم والمعابر... والأيدي والأفواه والعقول، أي تصبح عادة أو التزاماً.
في أثناء زيارة لمدينة هيروشيما في اليابان رأيت - مذهولاً - آلاف الأطفال/ التلاميذ مقرفصين يتناولون طعام الغذاء، ثم يذهبون دون أن يتركوا ورقة واحدة على الأرض الخضراء حيث كانوا يأكلون، ودون قيام معلميهم ومعلماتهم بحثهم أو بإجبارهم على ذلك.
يبدو أن الإدارة المدرسية وإدارة كل مرفق عام في بلادنا – وربما في جميع بلاد المسلمين: العرب وغير العرب- غير معنية بالنظافة كمبدأ صحي بديهي وقائي وعلاجي وجمالي، مع أننا نتباهى بحديث الرسول أن النظافة من الإيمان، ونكتبه بالخط العريض على كل لوح أو حائط مدرسي. وحسب هذا الحديث فإن سيطرة الوسخ والقذارة على الحمامات والمرافق العامة من الكفر، ويجعل المدرسة العامة أشبه بمركز اعتقال نهاري كاتم لأنفاس الأطفال من عجزهم عن استخدام حمامات مدارسهم واستعجالهم الهرب منها.
وأتحدى أي معلم/ة وأي مسؤول/ة القيام بمحاولة مفاجئة لاستخدام الحمامات الخاصة بالأطفال/ التلاميذ في أي مدرسة عامة أو أي من الحمامات في بقية المرافق العامة، وبخاصة حمامات المعابر الخاصة بالمسافرين.
قبل الأستاذ عبد السلام المجالي الذي اهتم بهذا الموضوع عندما كان وزيراً للتربية وبعده، لم يهتم أحد قبله أو بعده بنظافة حمامات هذه المرافق، ربما لأن للوزير أو المدير حمامه الخاص النظيف، فلا يتذكر حمامات غيره، أو يفترض أن بقية الحمامات نظيفة مثله فلا يزعج نفسه للاطلاع مرة عليها.
نضع حديث الرسول عن النظافة على اللوح وعلى الواجهة في المدرسة، ونحفظه جميعاً ونجعله موضوعاً للإنشاء، ثم نقبل الوسخ أو القذارة الفظيعة المتراكمة في حمامات المدرسة والمرافق العامة.
لقد عجبت أشد العجب من حملة الإسلاميين الضارية على تعديلات جزئية ومناقلات بسيطة في الكتب المدرسية لم تؤثر إطلاقاً على محتواها، وتجاهلهم التام أو التاريخي لموضوع النظافة في المدرسة، أو لنتائج أبنائهم وبناتهم في الاختبارات الدولية، أو في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، الذي يتبخر فيه ثلثا عمر الطفل الذي يقضيه في المدرسة بالرسوب فيه. كما لم يحتج أحد منهم على عقد هذا الامتحان مرة واحدة في السنة على الرغم من مخالفته لأبسط قواعد علم النفس، وتشجيعه التلاميذ على الغش كيلا ينتظر الواحد منهم سنة ليعيده إذا قصر فيه، ربما لأنهم قادرون على جر المجتمع وإرباك الوزارة وتعطيل التعديلات والمناقلات، وعاجزون تماماً عن جعل النظافة العامة عادة أو التزاماً عاكساً للإيمان، أو غير معنيين بمصير أطفالهم في المدرسة.
سوف يردون عليك بأننا تفوقنا بالنظافة على العالم قبل نحو خمسة عشر قرنا بالوضوء خمس مرات باليوم، ناسين المهرقة المصاحبة لها اليوم في حمامات الجوامع، وغياب النظافة بعد تلك اللحظة.
إذا كان إيمانهم بالنظافة عاجزاً عن جعلها عادة أو التزاماً بالفعل لا بالكلام أو الوعظ أو التلقين، فلنتعلم من أوروبا التي لم يكن يستحم الإنسان فيها طيلة حياته في العصور الوسطى، وكيف تمكنت بالعقلانية والتنوير والتعليم من جعل النظافة العامة والخاصة عادة، أو فلنتعلم من اليابان التي يحاول بعض التربويين استلهام نظامها التعليمي المدرسي منفصلاً عن النظافة التامة فيها، فالتلاميذ ومن مختلف الأعمار يخلعون أحذيتهم قبل دخول غرفة الصف، وينظفون مدرستهم يومياً بالتناوب، وكذلك يفعلون في أوروبا وأميركا وربما يشاركهم ذووهم في ذلك راضين.
لكن المسلمين أو – على الأصح – الإسلاميين والإسلامويين لا يحبون تعلّم الآداب والقيم من الغير لأنهم مكتفون ذاتياً بها. كما لا يجوز تعلمها من الكفار، لو ينبري المديرون والمديرات والمعلمون والمعلمات الإسلاميون في المدارس للمحافظة على نظافة حماماتها وغرفها وقاعاتها وساحاتها بانتظام طيلة النهار المدرسي كل يوم، وكذلك زراعة ما فيها من جوانب خالية بالأشجار والزهور ورعايتها، لصارت المدرسة أجمل وأكثر جاذبية، ولحصلوا على شعبية وتقدير لم يحلموا بهما من التلاميذ والتلميذات والمجتمع.
وأخيراً وليس آخراً فإن المطلوب مسبقاً واستراتيجياً: النظافة أولاً، والنظافة ثانياً، والنظافة أخيراً بما في ذلك نظافة اللسان والعقل والقلب.

التعليق